فبهر هارون بصلابة الإمام عليه السّلام وقوة إرادته وقال للفضل : - أما هذا فإنه من رهبان بني هاشم ! ! فالتفت إليه الفضل بعد ما سمع منه اعترافه بزهد الإمام قائلا له : - يا أمير المؤمنين : ما لك قد ضيّقت عليه في السجن ؟ ! ! فأجابه هارون بكل لؤم وغرور قائلا : « هيهات : لا بد من ذلك » « 1 » هارون الطاغية كان يعلم عزوف الإمام عن الدنيا ، ويعلم إقبال الإمام على اللّه ، ويعلم منزلة الإمام السامية وتقدير الناس له ، لكن حبه للسلطان والدنيا أعمى بصره وبصيرته ، وملأ قلبه غيظا وحسدا له . وهذا ما دفعه إلى ذلك . الحسد القاتل الذي يميت القلب ويضعف الروح ويخدر الايمان ، ويعمي البصيرة عن رؤية الحق . بسم اللّه الرحمن الرحيم :
قُل أَعُوذُ بِرَب الْفَلَق مِن شَرِّ ما خَلَق ، ومِن شَرِّ غاسِق إِذا وَقَب ، ومِن شَرِّ النَّفَّاثات فِي الْعُقَدِ ، ومِن شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ
.
لم يقرأ هارون هذه السورة ولم يعلم مضامينها ؟ ! .
مصائب ومتاعب
ضاق صدر الإمام من ظلمة السجن وطول المدة فيه بعد أن حجب عن عياله وأطفاله وشيعته ، ينتقل من سجن إلى سجن مثقلا بالحديد ، والشرطة تراقبه خوفا من اتصال أحد من شيعته به ، فأحس بآلام مرهقة أحاطت به ، وخطوب مريرة ثقلت عليه ، وهارون ما زال على موقفه يراقبه بحذر ، ويخطط لاغتياله . فما العمل ؟
لقد لجأ عليه السّلام إلى اللّه تبارك وتعالى في أن يخلّصه من هذا الطاغية وهذه المحنة المريرة .
دعاء من القلب
سئم الإمام من السجن وطالت مدة الحبس عليه ، وهو رهين السجون فقام في غلس الليل وجدد طهوره وصلى لربه أربع ركعات ، وأخذ يناجي اللّه بهذا الدعاء
هامش
( 1 ) البحار ج 11 ، ص 298 .