ذكر عليه السّلام في الفقرات الأخيرة من كلامه إلى بعض أحوال العقلاء من أنهم لا تمنعهم كثرة نعم اللّه عليهم من شكره تعالى ، كما لا تزيل صبرهم النوائب والكوارث . ثم قال عليه السّلام : « يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعلن هواه على هدم عقله : من أظلم نور فكره بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه » . ذكر عليه السّلام في كلامه هذا أن في الإنسان قوتين متباينتين ، وهما : العقل والهوى ، ولكل واحدة منهما صفات ثلاث تضاد الصفات الأخرى فصفات العقل : التفكر ، والحكمة ، والاعتبار . وصفات الهوى : طول الأمل ، وفضول الكلام ، والانغماس في الشهوات . فطول الأمل في الدنيا يمنع من التفكر في أمور الآخرة ، ويبدد نور الفكر بالظلمة ، ويحجبه عن الانطلاق في ميادين الخير . وفضول الكلام يمحي طرائف الحكمة من النفس . أمّا الانغماس في الشهوات فإنّه يعمي القلب ، ويذهب بنور الايمان ، ويطفئ نور الاستبصار والاعتبار من النفس ، فمن سلّط هذه الخصال العاطلة على نفسه ، فقد أعان على هدم عقله ، ومن هدم عقله فقد أفسد دينه ودنياه . وقال عليه السّلام : « نصب الحق لطاعة اللّه ، ولا نجاة إلا بالطاعة ، والطاعة بالعلم ، والعلم بالتعلم ، والتعلم بالعقل يعتقد « 1 » ، ولا علم إلا من عالم رباني ، ومعرفة العلم بالعقل » . وهو يعني عليه السّلام ان المعارف جميعها لا تحصل إلّا بالعلم ، والعلم لا يحصل إلّا بالتعلم ، والتعلّم لا يحصل إلّا بالعقل . فمن عقل علم ، ومن علم عاش سعيدا مأنوسا في الدنيا ، وغانما كريما في الآخرة .
باب الحوائج الإمام موسى الكاظم ( ع ) — صفحة 126
مساهمون: حسين الحاج حسن
ص١٢٦
هامش
( 1 ) يعتقد أي يشتد ويستحكم .