وقال عليه السّلام : « يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود » .
فهو يعني عليه السّلام ان قليل العمل من العالم مقبول والسبب في ذلك يعود : بأن العلم يطهّر النفوس ، ويصفّي القلوب ، ويوصل إلى معرفة اللّه عزّ وجل وفضيلة كل عمل إنما هي بقدر تأثيرها في صفاء القلب ، وإزالة الحجب عن النفس ، والظلمة عن الروح . وهي تختلف بحسب الأفراد ، فرب إنسان يكفيه قليل العمل في صفاء نفسه نظرا للطافة طبعه ، ورقة حجابه ، ورب إنسان لا يؤثر العمل الطيّب الذي يصدر منه في صفاء ذاته ، نظرا لكثافة طبعه ، وكثرة الحجب على نفسه .
وقال عليه السّلام : « يا هشام : إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنّهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة ، والآخرة طالبة ومطلوبة .
فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته » .
ذلك ان الأعمار بيد اللّه سبحانه ، وساعة كل انسان مجهولة ، وقد تكون قريبة ، فمن لم يحضر نفسه لها فقد يخسر ولا مجال عنده للتعويض . وقال عليه السّلام :
« يا هشام : إن اللّه حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا :
رَبَّنا لا تُزِغ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَب لَنا مِن لَدُنْك رَحْمَةً إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب
« 1 » » . لقد قالوا هذا القول حين علموا ان القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ، وانه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه ، ومن لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدّقا ، وسرّه لعلانيته موافقا ، لأن اللّه تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلّا بظاهر منه ، وناطق عليه » . لقد أشار الإمام عليه السّلام بكلامه هذا إلى أن المؤمن إذا لم يكن قلبه مستضيئا بهدى اللّه ، فإنّه لا يكون آمنا من الزيغ ، كما لا يكون آمنا من الارتداد بعد الدخول
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 8 .