وهذا أعظم قدح وذم للذين لا يعقلون . لأن الإنسان إذا اتهم بعقله فقد دنياه وآخرته .
وفي الآية الثالثة : وصف سبحانه منتهى القسوة وجمود الطبع وخمول الذهن لبعض الكفار فهم يستمعون ما يتلى عليهم من الآيات والأدلة على صحة دعوة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولكنهم صم بكم لا يسمعون ولا يفقهون ، وبذلك لا جدوى ولا فائدة في دعوتهم إلى اعتناق هذا الدين ؛ لقد بلغوا الحد الأقصى في أمراضهم العقلية والنفسية ، ولا يجدي معهم أي نصح أو إرشاد أو علاج .
وسنكتفي بهذا القدر من الآيات التي استدل بها عليه السّلام على ذم من لا يعقل من الناس . والآن إلى فصل آخر من كلامه ، قال عليه السّلام : « يا هشام : لقد ذم اللّه الكثرة فقال :
وإِن تُطِع أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْض يُضِلُّوك عَن سَبِيل اللَّه إِن يَتَّبِعُون إِلَّا الظَّن وإِن هُم إِلَّا يَخْرُصُون
« 1 » . وقال سبحانه أيضا :
ولَئِن سَأَلْتَهُم مَن خَلَق السَّماوات والْأَرْض لَيَقُولُن اللَّه قُل الْحَمْدُ لِلَّه بَل أَكْثَرُهُم لا يَعْلَمُون
« 2 » . استدل عليه السّلام بهاتين الآيتين على ذم أكثر الناس لأنهم قد حجبوا عن نفوسهم الحق ، وتوغلوا في الباطل ، وغرقوا في الشهوات ، إلا من رحمه اللّه منهم . ففي الآية الأولى : خاطب تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأراد به غيره ، فإنه لو أطاع الجمهور من الناس وسار وفق أهواءهم وميولهم لأضلوه عن دين اللّه وصرفوه عن الحق . وفي الآية الثانية : دلت على أن أكثر الناس يقولون ما لا يعلمون ، وانهم لا يؤمنون باللّه في قلوبهم ، بل إنما يجري على ألسنتهم دون أن ينفذ إلى أعماق قلوبهم « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 116 .
( 2 ) سورة لقمان ، الآية 25 .
( 3 ) راجع روح المعاني ج 6 ص 423 .