تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩

فهاجت العامة ، وقامت الغوغاء ، وتناولوه بألسنتهم ، وتوعّدوه بالقتل والرجم « 1 » . وأنكر علي بن نبال على قاص بما حدّث ، فعظم ذلك على العامة وهمت بإيقاع المكروه فيه ، فاختفى عنهم وتوارى في بيته . وسمع الأعمش أحد القصاص يقول : حدثنا الأعمش . فقام وتوسط الحلقة ، وجعل ينتف شعر إبطه . فقال القاص : يا شيخ ، ألا تستحي نحن في حلقة علم ، وأنت تفعل مثل هذا ؟ ! ! فقال الأعمش : الذي نحن فيه خير من الذي أنت فيه . قال : كيف ؟ قال : إني في سنّة ، وأنت في كذب . أنا الأعمش ، ما حدّثتك مما تقول شيئا « 2 » . وتجنّب العلماء معارضة القصّاصين ، والردّ عليهم تقية وخوفا على أنفسهم ، لأن العامة ارتبطوا بالقصاص ، وأقبلوا عليهم وتقبلوا كل ما يلقونه من الموضوعات ، والقصص الخرافية . وقد قام أحد القصّاصين فحدّث عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار . فلم يبق أحد منهم إلا وقد أخرج لسانه يومىء بها إلى أرنبة أنفه . ومن هذا الباب تسرّبت أكثر الأحاديث المرغّبة في كثير من الأعمال . ودخلت أذهان العامة تلك الخرافات والأباطيل ، وأصبحت وكأنها حقائق لا تقبل الشك ولا تخضع للجدل ، كما أدخلوا كثيرا من العقائد المفتعلة ضمن أحاديث مكذوبة أحدثوها ، وربما خلقوا لها أسانيد من أنفسهم . ومن أغرب ما ورد عنهم أن أحدهم قام فحدّث عن أبي خلفة أنه قال : حدثنا الوليد بن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبي . فقام إليه أبو حاتم البستي وقال له : رأيت أبا خلفة ؟ قال : لا . فقال له كيف تروي عنه ولم تره ؟ فقال القاص : إن المناقشة معنا من قلة المروة ، أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد ، وكلما أسمع حديثا ضممته إلى هذا الإسناد . ومن ذلك أن قاصّا حدّث بحديث وأسنده عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين

هامش
( 1 ) المصدر السابق في المقدمة .
( 2 ) الأسرار المرفوعة لعلي القاري 55 . والأحياء للغزالي 1 / 58 .