ولا شك أن معاوية استعمل تلك الفئة المرتزقة كما قدّمنا ليستعين بها في وضع الأحاديث لدعم ملكه ، وحمايته بوجه موجة الاستنكار ، وقد استطاع أن ينشر بين الناس مناقب عثمان الموضوعة ، ومناقب البلدان ، ومناقب بعض الرجال والعشائر كما يشاء .
كما أنه استطاع أن يختلق لخصومه مثالب أبرزها في قالب الابتكار والخيال الواسع ، وتمكّن بهذه القوة ، أن يزوي ما لعلي عليه السّلام من مناقب وما ورد فيه من أحاديث صحاح ، فكان بحكم تلك الدعايات التي هي كأوامر رسمية أن أصبح الخطباء يعلنون سب علي عليه السّلام وشيعته ، وكان الوعّاظ يختمون مجالسهم بشتمه عليه السّلام وكان يلزم الناس بإعلان سبّه والبراءة منه ، وفرض عليهم تعليمه لأبنائهم ، وأصبح معاوية بمقتضى تلك الأساليب وبتلك الأكاذيب هو : أمين الأمة ، وكاتب الوحي ، وخال المؤمنين ، إلى آخر ما هنالك من أساطير .
ومهما حاول معاوية إخفاء فضل علي عليه السّلام فقد انهار ما بنى ، وبقي ذكر علي وأهل بيته عليه السّلام تردّده الأجيال بفخر واعتزاز على مرّ العصور والأيام .
إذا ما بناء شاده الدين والتقى * تهدّمت الدنيا ولم يتهدّم
ولسنا هنا بمعرض البحث عن تلك الأزمنة ، فقد أشرنا إلى بعضها في الأجزاء السابقة ، وجل اهتمامنا في جميع ما ذكرناه هنا وهناك ، هو إعطاء صورة عن الأمور المحزنة التي تحزّ بالنفس ، والتي حدثت في أزمنة متأخرة من الزمن . الذي كان ظرف تلك الحوادث وهي امتداد لما حدث فيها من خلافات .
وعلى أي حال ، إن الأثر الذي أحدثه القصّاصون في ذلك المجتمع من إثارة فتن ، وإيقاد نار البغضاء بين طوائف المسلمين ، وإشعال حروب طاحنة ؛ هو من أعظم الأمور التي ابتلي بها المسلمون في تلك الفترة المظلمة .
لقد كان أولئك النفر يحرّضون الناس على القتال والنهب ، ويحرّكون القلوب ، ويثيرون الشعور بما يفتعلونه من أقوال ويضعون من أحاديث ، يغذّون بها أدمغة العامة ، كما قاموا في المساجد والجوامع والطرقات والأندية يبثّون سمومهم .
فاتخذتهم السياسة سلاحا فاتكا - كما قدمنا - وهم ينتشرون في ساحات الحرب