قال ابن كثير : وجرت خبطة شديدة نعوذ باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن « 1 » ويؤيد ذلك تصريح شيوخهم بأن غير الحنابلة مبتدعة . يقول قتيبة بن سعيد : أحمد بن حنبل إمام ، ومن لا يرضى بإمامته فهو مبتدع . وادعوا على الشافعي أنه قال : من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر . فقيل له : تطلق اسم الكفر عليه ؟ فقال : نعم ، من أبغض أحمد بن حنبل عائد السنة ، ومن عائد السنّة قصد الصحابة ، ومن قصد الصحابة أبغض النبي ، ومن أبغض النبي كفر باللّه العظيم « 2 » . وقال أحمد الدورقي : من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء ، فاتهموه على الإسلام . وقال بعض الحنابلة : إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار ، وأبا محمد البربهاري - وهما من شيوخ الحنابلة - فاعلم أنه صاحب سنّة . ومن الصعب الإحاطة بما خلّفته تلك الظروف من ادعاءات وتقوّلات ، وقد أعرضنا عن كثير مما وصلنا من ادعاءات الحنابلة في علمائهم عامة وابن حنبل خاصة ، وسواء صحّت تلك الأقوال أم لم تصح ، فالعامة يأخذون بها ويجعلونها شعارا في مسيرتهم نحو أهدافهم ، وقد أوردوا عن أحمد بن حنبل وغيره أمورا لا يمكننا أن نصدّقها ، فهي بعيدة كل البعد عمّا اتصف به أحمد من العلم ، والاتزان . ولكن الحنابلة جعلوا ذلك دستور حياتهم ، بدون تثبّت ، وقد دعمت تلك الأقوال حركاتهم في مقابلاتهم لجميع الفرق ، واشتدوا بصورة خاصة على الشيعة . أما المعتزلة - وهم خصوم الحنابلة السياسيين - فقد نالوا من الأذى ما لا يوصف ، وكذلك الأشعرية الذين اختلفوا معهم في العقائد ، وقد صرّحوا بالطعن على الأشعري ونسبوا له أقوالا مخالفة لروح الإسلام ، وذهب بعضهم إلى كفر أصحابه ، وخروجهم عن حظيرة الإسلام نظرا لما يعتقدونه مما يخالف عقائد الحنابلة ، وبهذا وصفوا الأشعري نفسه بأنه مبتدع ، ففي سنة 445 ه أعلن بنيسابور لعن الأشعري رسميا ، وكان قد رفع إلى السلطان طغرلبك من مقالات الأشعري ، فأمر بلعنه .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 58
مساهمون: اسد حيدر
ص٥٨
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 13 ص 2 .
( 2 ) طبقات الحنابلة ج 1 ص 136 .