تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
ووقعت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشعرية حتى تأخر الأشاعرة عن حضور الجمعات خوفا من الحنابلة . وخلاصة القول ، أن الحنابلة يرون من خالفهم من المسلمين كفارا . ويقابلهم الأشعرية كلهم أو بعضهم بتكفير شامل لمن لا يعرف وجود الباري بالطرق التي وضعوها ، وقد خالفهم الحنابلة في جميع ذلك . وذهبوا إلى أن العدول عن مذهب الأشعري ولو قيد شبر فهو كفر ، ولو كان العدول في شيء نزر فهو ضلال وخسر . وهكذا فالأشعرية والحنابلة يكفّر بعضهم بعضا ، وقد لقي الأشعري من الحنابلة في حياته ، عنتا وتحاملا عليه وعلى أتباعه ومؤيدي أفكاره وآرائه ، ولشدّة تعصّبهم عليه أخفى أصحابه قبره بعد وفاته سنة 333 ه حذرا من أن تنبشه الحنابلة ، لأنهم حكموا بكفره وإباحة دمه . ولقد وقعت بين الحنابلة والأشاعرة حوادث كثيرة وحروب وقتال في شوارع بغداد ، أهمها يوم دخلها القشيري ، ووعظ بها . فاضطر إلى الخروج من بغداد ، وكانت اللعنات تنهال على الأشعري ، ونسبوا إليه بعض الآراء الشاذة ليوجهوا الرأي العام ضد الأشعرية ، وقد اتخذ الحنابلة يوم الجنائز إعلانا لمبدئهم ، وتكفيرا لمن خالفهم ، وقد كانوا يردّدون في تشييع الجنائز هتافات معادية للأشعرية وغيرهم من خصومهم ، وبهذه الأمور المحزنة يستمر الوضع السيئ بين جماعات المسلمين ، وتنتشر الفرقة بين صفوفهم ، والأمر يشتد كلّما مرّ الزمن . وقد قطع الحنابلة في مسيرتهم أشواطا بعيدة في الدعوة لآرائهم بعنف وقوة ، كما صبّوا جام غضبهم على من خالف بعض تلك الآراء . وقد أفتى بعض علمائهم - وهو الشيخ عبد اللّه الأنصاري الملقب بشيخ السنّة في خراسان - بعدم حلّية ذبائح الأشعرية ، لأنهم كفار في نظره تبعا لرأي العامة من الحنابلة . وقد امتحن كثير من العلماء ، وراحوا ضحية الجهل والفوضى ، واتّهم كثير منهم بسوء الاعتقاد ، كما رمي الكثير منهم بالكفر والزندقة . وكان ابن جرير الطبري المتوفى سنة 340 ه من أولئك الرجال الذي نالهم غضب الحنابلة - كما أشرنا سابقا - مع عظيم منزلته ومكانته العلمية ، وهو صاحب التفسير الشهير والمؤلفات القيّمة ، فرموه بالإلحاد والزندقة لأنه خالفهم في مسألة
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 59 | اسد حيدر