فالمذاهب أصبحت تدّعي أن كلّا منها على حق ، وغيرها على الضلالة . والبدعة لغويا كل شيء أحدث على غير مثال سابق ، سواء كان محمودا أو مذموما . والبديع : محدث عجيب غير معروف ، وهي تفيد معنى الأحداث والاختراع . أما البدعة اصطلاحا فهي مدار اختلاف الفقهاء شرعا ، ويميل أغلب العلماء إلى أنها إحداث في الشرع ، وعند بعضهم قد يكون مذموما أو محمودا . ولكن روح العداء أخضعت اللفظين لأغراضها ، فاتهمت كل طائفة الأخرى بالبدعة والضلالة دون تمييز وهو انحراف عن واقع الحال ، وبعد عن الحقيقة ، ومن هذا ما ذهب إليه ابن المقري الشافعي في تمثيله للمبتدع بالحنفي ، وصاحب البزازية الحنفي يمثل المبتدع بالشافعي ، وأمثال هؤلاء كثيرون بين المذاهب الأربعة « 1 » . كما وقد وضعت كتب تتضمن بيان الفرق الإسلامية وشرح عقائدها وتصف الكثير منها بالبدعة أو الضلالة أو الكفر أخيرا . وتمرّ السنون ، وتكثر الكتب من دون جدوى في تحديد هذين الاصطلاحين لنعرف ما هي البدعة التي يستوجب صاحبها النار ، بسبب الضلال عن الهدى ؟ كما ورد في الحديث : « كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار » . فكيف نتعرف على البدعة ونجتنبها ؟ وما هي الضلالة التي توجب دخول النار ؟ هل لها حدّ شرعي أو تعريف لغوي ؟ وقد اختلفت المصاديق وتعدّدت الأقوال . وحديث الفرق أن النبي قال : « ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، اثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة » وبلفظ آخر « كل على الضلالة إلا السواد الأعظم » فلهذا الحديث شأن وقد تعرّضنا له سابقا وشكّكنا في صحة نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على إجماله بدون بيان ، وهذا ما يوجب إغراء الأمة بعضها ببعض ، وتحامل الناس بعضهم على بعض ، وسنعود للحديث عنه إن شاء اللّه . وبقي تعريف البدعة هو ما اخترع على غير مثال سابق ، فهي لغويا كما في لسان العرب : بدعه أنشأه كابتدعه . وبدع اللّه الخلق أحدثهم لا على مثال سابق . وبدع سمن ، وبدع بداعة وبدوعا صار بديعا ، وأبدع أبدا والشاعر أتى بالبديع فهو مبدع ، ومنه البديع الخالق المخترع ، وفي المذهب أنها إيراد أقوال لم يستند فاعلها أو قائلها
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 54
مساهمون: اسد حيدر
ص٥٤
هامش
( 1 ) سر انحلال الأمة ص 189 .