ونحن نجد في أحداث هذه المشكلة من مظاهر الظلم والعنف ما تأباه النفوس ، لكنها تصبح غير ملفتة إذا ما قورنت بأهوال السجون ومصائب التعذيب التي يلقاها آخرون ، فدع عنك كيف استشهد الإمامان الرضا والجواد على يد حكام يتظاهرون بالودّ ، وخذ مثلا من عرف من العباسيين بعدائه لأهل البيت . ومع ذلك فلا يقرّ ما يجري في ظل الحكام من اعتداء على حرمة الرأي أو العلماء ، بل نذكره للإدانة ونسطّره لتعرف الأجيال ما ارتكب الحكام . ومن أحداث هذه الفترة التي تتصل بالقول بخلق القرآن أن شيخا من الشام جيء به إلى الواثق ، فلما دار النقاش اتفق الواثق مع رأي الشيخ في جواز الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لهم كما اتسع لرسول اللّه وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وأمر الواثق بقطع قيد الشيخ ، فلما قطعوا القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه ، فجاز به الحداد ، وأخذه من الحداد قائلا : لأني نويت أن أتقدم إلى من أوصي إليه أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند اللّه يوم القيامة وأقول : يا رب ، سل عبدك هذا لم قيدني وروّع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك عليّ ؟ ثم جاءت فترة عهد المتوكل الذي استلم الحكم في سنة 232 ه فعاد النصب بأوضح صوره « 1 » وتجدّد العداء لآل البيت بأقبح أشكاله ، وليس ذلك بردّ فعل لما سبق ، وإنما ردود الفعل تمثلت في موقعه في مسلسل الحكام من بني العباس . يقول ابن كثير : وكان المتوكل محببا إلى رعيته ؟ قائما في نصرة أهل السنة ، وقد شبهه بعضهم بالصدّيق في قتله أهل الردّة لأنه نصر الحق وردّه عليهم حتى رجعوا إلى الدين ، وبعمر بن عبد العزيز حين ردّ مظالم بني أمية ، وقد أظهر السنّة بعد البدعة ، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها . وأكرم المتوكل أحمد بن حنبل ، وكتب إلى نائبه ببغداد أن يبعثه إليه ، وكان حتى وفاة أحمد يتفقده ويوفد إليه في أمور يشاوره فيها ويستشيره في أشياء تقع له « 2 » . وبدأ الحنابلة مع السلطة منذ هذا التاريخ يسهمون في تعميق روح الخلاف ، ونحن - وإن قلنا برد الفعل - إلا أن الأمر تجاوز ذلك لاستسهال أمر الاتهام بالكفر والخروج
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 51
مساهمون: اسد حيدر
ص٥١
هامش
( 1 ) انظر الجزء الأول من الإمام الصادق والمذاهب الأربعة .
( 2 ) ابن كثير 10 / 340 .