تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

خلقه بضعف آرائهم ونقص عقولهم ، وخفائهم عن التفكير والتذكر « 1 » . هذا والسلطة تتحول إلى الخضرة وتغيّر شعارها الأسود تقربا إلى الشيعة ، وقضية إسناد ولاية العهد إلى الإمام الرضا ما زالت في الأذهان ، ولا بد أن قضية سمّه وقتله لا تهم الآخرين أكثر مما تهمّهم المظاهر ، وبين فترة وأخرى يهم المأمون في القول بمسألة على رأي الشيعة ، بينما قضية امتحان السلطة للعلماء لها طابع معتزلي ، والعامة أخذت تنظر إلى أهل الرأي والفكر نظرة واحدة ، لأن الفترة حديثة عهد ، والحركة ما زالت في بواكيرها ، ومناهج الكلام وأساليب القول قامت كالموجة التي تهدد ركود الغدران بالتحول أو الفناء . لقد أعلنت السلطة طابعها أو انحيازها إلى أهل الفكر وتيارات الكلام ، وجاء بيانها شديدا استفزّ العامة الذين كانوا قاعدة الحكام منذ عهد معاوية ، وتهيأ على مر المراحل ممن لبس لبوس الدين ، وتجلبب بجلباب العلم ، أن يبذل أقصى ما يستطيع ليرضي السلطان ، ويجعل الجمهور ينظر إلى حال الحاكم من خلال ما يصوّرونه لهم ، فاحتل الحكام في أنظارهم موقع القداسة ، وأحنوا الرؤوس برغم ما يسفك من دماء ، وتنتهك من حرمات ، ويستباح من أعراض ، فألفوا أمورا في كل شأن من شؤون الاعتقاد والحياة ، وورثوها على نمط الحكام وصياغة المنتفعين . وللأسف ، فإن تحوّل السياسة وانعطاف المأمون إلى أوجه جديدة فكرية متكلّفة ، وما أحدث ذلك من هزّة عنيفة ، لم تعالج بما يساعد على كبح جماع الانفعالات ولجم الجهل ، فإضافة إلى توافر أسباب الهياج وشيوع مضمون سياسة السلطة ، وما يوفره ذلك من مادة غنية لشدّ الجمهور والتلاعب بعواطفه ، ودفع مشاعره إلى أشد حالات النقمة ، أصبحت كلمة الجهل أو الأوصاف التي يطلقها رجال المناظرات وأساتيذ الكلام على خصومهم الذين يسترون جهلهم بالعناد والتعصب ، أدلة أخرى ألّبت الناس على أهل الفكر قبل أن تألبهم على العباسيين وأغراضهم السياسية ، فضاعت في وسط ذلك الأسباب الحقيقية لقيام مثل هذه المرحلة ، وكان تقصير الجهات فيها متماثلا ، إذ لم يبذل المعتزلة ما يكفي من جهد بعيدا عن السلطة ، بل انتقلت حصيلة اعتقاداتهم إلى الحكام وألحقتهم السلطة بها .

هامش
( 1 ) ابن طيفور ، ص 181 .