تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
كما كان الطرف الآخر يعتمد على الاستشارة والاستفزاز ، ليستفيد من نتائجهما في الإبقاء على ممسك الجمهور ومحافظتهم على الأوضاع التي ألفوها وعاشوها ، ولمّا اجتاز أحمد بن حنبل الأزمة صب جام غضبه على أصل القضية ، فأباح لنفسه الفتوى والقول بكفر من يقول بخلق القرآن . وقد مرّ بنا ذلك وأشرنا إلى ما جاء عنه في كفر من يقول بخلق القرآن ، إذ سئل عن رجل وجب عليه تحرير رقبة مؤمنة وكان عنده مملوك يقول بخلق القرآن ؟ فقال : لا يجزي ، لأن اللّه تبارك وتعالى أمر بتحرير رقبة مؤمنة . ولم يكن أحمد بن حنبل أو الجمهور في حال يجاهرون بها بالخروج على رأي الحاكم أيام المعتصم ، إذ يروى أن أحمد أمسك في عهد المعتصم حتى عن رواية الحديث الذي هو عماد مكانته ومقوم شخصيته ، فهو الحافظ الذي ينبسط في الرواية ويتقيد بها حتى قيل : إنه أقرب إلى الحديث منه إلى الفقه . ولا ننسى أن هذه الفترة شهدت غياب الإمام الرضا ، وكون ابنه الإمام محمد الجواد ما زال في مقتبل العمر ، وتتضافر الروايات على ما بلغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ، حتى أن المأمون أراد أن يوجد للصبغة التي أرادها لحكمه دلالة جديدة ، فزوّجه ابنته أم الفضل ، واتجه إلى المدينة ، وابتعاده عن العراق أمر له مغزى كبير ، اختيارا منه وعملا بنهج أبيه ، وكيف حمل ولاية العهد اسما ، ولم تنجح وسائل المأمون مع الإمام الرضا في زجّه في شؤون السلطان ، وإذا كان أهل البيت قد عملوا على تهذيب النفوس بتعاليم الإسلام وترسيخ الأحكام في المجتمع بتربية النشأ وإرشاد الناس ، فقد كان الرضا عليه السّلام يقول : « إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ ، فأما صاحب سيف وسوط فلا » . وكان قوله المشهور للمأمون : « ما التقت فئتان قط إلا نضر اللّه أعظمهما عفوا » . فعاد الإمام الجواد إلى مهبط الوحي ومهد النبوة ، وسعى عليه السّلام إلى توجيه الناس وبث العلم ونشر الأحكام ، وكانت الوفود تأتيه من الأقطار النائية لأنه وارث علم أهل البيت عن أبيه الرضا عليه السّلام غير أن المعتصم أعاده إلى بغداد وانتهى شهيدا مسموما على يد بني العباس . فكأن الناظر إلى أعمال بني العباس في هذه الفترة يجد تقربا ورعاية إلى آل علي ، في حين أن حقيقة ما يعيشونه مكابدة رهيبة تنتهي بهم إلى الموت . كما أن العلويين استمروا في مناهضتهم للسلطة ، ولم تنطل عليهم خدع الحكام وتكريم