أن أعيد التنويه بالحقائق التي لا تحتاج إلى كبير عناء في إثباتها ، وفي مقدمتها دور الملوك وأصحاب السلطان في تعدّد المذاهب وزرع الفرقة والخصومة بين أبناء الأمة الواحدة . وقد ابتدأت الفكرة منذ الفترة الأولى للانحراف عن مبادئ العدل الإسلامي والانغمار في مظاهر الملوكية والتسلّط ، فكان على يد معاوية الترويج لشرعية العسف والظلم ، حيث أوجد له مؤسسات ضم إليها الكثير ممن تزيّا بزي العلم والدين ، وراحت هذه المؤسسات تلبّي رغبات معاوية والحكام في إضفاء طابع الشرعية والصبغة الإسلامية على واقع حكمهم وحقيقة سلطانهم القائم على القبلية والعصبية الجاهلية . وبعد سقوط حكم الأمويين وقيام حكم الملوك من بني العباس في ظل وأفياء الدعوة إلى الرضا من آل محمد ، أرسى الملوك العباسيون تلك الفكرة على أسس طبّقوها ونفّذوها في فترة أصبح فيها التشيّع خطرا يتهدّد الكيان العباسي . فقد نبغت شخصية الإمام الصادق ، وشاع ذكره في الآفاق ، وأصبح سيد علماء الأمة وقائد حركة العلم والفقه ، فبات أمره شغل النظام الشاغل وهمّه الدائم ، ولمّا فشلت محاولات القضاء على حياة الإمام الصادق ، وكانت آيات نجاته وحفظه من أيدي المنصور ؛ التمس الدوانيقي طريقا آخر ، فسن للعباسيين سنّة إدناء شخصية معينة ممن يتوسّم فيها الفقه ، لتكون في الموضع الذي يكتسب من الحكم نفوذه وقوته ، وتستعمل السياسة في أغراض التمذهب ، وإخضاع العلم الديني لأغراض الدولة بحيث ترتأي الأحكام التي تأمن جانبها . فيما كان الشيعة يمثّلون الاتجاه المناوئ ، ويقفون بوجه هذه الأغراض ، لأنها تستهدف النيل من مكانة الإمام الصادق ، وتحاول بيأس التأثير على موقعه الروحي وشهرته العلمية ، وكان الانصراف إلى الدين والعلم والدعوة إلى التمسّك بأحكام الإسلام والتقيّد بأوامره ، واجتناب نواهيه الصفة الأساسية للصرح العلمي الذي سرت آثاره ، وانتشرت أفكاره في المجتمع الإسلامي ، والذي تمثّل بمدرسة الإمام الصادق التي انتسب إليها أربعة آلاف طالب ، قاموا بدورهم في رواية الحديث وبيان الأحكام وتبصير الناس وحفظ تراث الإسلام ، فكان عليه السّلام : مشغولا بالعبادة عن حب الرئاسة « 1 » . وآثر العزلة والخشوع « 2 » والانصراف لمهمّاته الدينية .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 507
مساهمون: اسد حيدر
ص٥٠٧
هامش
( 1 ) صفة الصفوة ج 2 ص 94 .
( 2 ) حلية الأولياء ج 3 ص 192 .