تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
والمتسلّطين ، فقد احتفظت الأيام ومرّ التاريخ على أطراف المواجهة بين دعاة العدل الإسلامي وبين الملوك والحكام الذين يتّخذون من الدين ستارا لمصالحهم ، ويذيقون شعوبهم الويلات . وخلاصة القول فإن مدار البحث هو أن السلطان الروحي والقيادة الدينية اللتين اختص بهما الأئمة الأطهار هما من صور الإمامة التي حفظت بها منزلة النبوة ، وضمن بها بقاء الدعوة ، ومن هنا كان سرّ تميّز سيرة الأئمة الأطهار وسبب نفوذهم الذي عجزت قوة الباغين والطغاة عن القضاء عليه . لقد أثبت الشيعة وجوب عصمة الأنبياء قبل اصطفائهم وبعد اصطفائهم لأنهم الأمناء والقادة ، وقد كلف اللّه الخلق باتباعهم ، فلا يجوز على المصطفين الإثم ، لأن النبوة دعوة وتبشير بأمر إلهي ، والدعوة تتأثر بشخصية الداعي ، فإذا جرب على نبي إثم أو عرف عنه ذنب ، فإن مجرى الدعوة يتأثر بهما ، ودرجة إقبال الخلق أيضا . قال اللّه تعالى مخاطبا إبراهيم عليه السّلام :
إِنِّي جاعِلُك لِلنَّاس إِماماً
فعلى الناس اتباعه والاقتداء به ، وهم مكلفون بذلك . فذهب الشيعة إلى تنزيه الأنبياء عن المعاصي لأن ارتكابها ينفّر الناس . بخلاف غيرهم من المذاهب في تجويز المعصية قبل النبوة . وقد كان من سير الأئمة عليه السّلام وأحوالهم وأوضاعهم وخلقهم شواهد كبرى على تسديد اللّه وعصمتهم ، مما يؤثر في سير الدعوة ووقع الأحكام في النفوس ، ولذلك لا تجد في فقه الشيعة قضية تدور عليها الآراء والاجتهادات في أن ولي الأمر إذا أخطأ ، فمن الذي يقيم عليه الحكم . كما هو في المذاهب الأخرى . فولي الأمر الشرعي عند الشيعة هو في منزلة ومرتبة دينية لها من النبوة الوصاية على أمر الشريعة وحماية الدين ومصالح الأمة ، وليس في فكر الشيعة أوفقهم ما يبعد عن هذه الخصائص التي تدور في فلك النبوة ، فكيف يجرأ فاسق أو فاجر على أن يتولى من أمرهم شيئا ؟ فيما جوّزت المذاهب الأخرى إمامة المتسلّط ومن اتصف بذلك من غلبة أو غيرها ، وكذلك الحال مع الفاجر ، حتى نسب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الأمر بالصلاة خلف البرّ والفاجر ، وقد تناسى من وضع الحديث وغفل من تعاطاه أن نبي الرحمة حمل رسالة العدل وبشّر بمرحلة جديدة من الإنسانية تصان فيها الدماء والأموال بأعظم صيغ التشديد على حرمة حياة الإنسان وبأوضح عبارات تأكيد حريته ،
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 509 | اسد حيدر