ومن الحقائق أيضا ، أن الشيعة في عقائدهم من حيث النشوء كانوا مع مراحل الرسالة وتطورات الإسلام ، فلا يخضعون لمقاييس التمذهب هذه ، وما كان من تسميته ( المذهب الجعفري ) فهو بحكم اصطلاحات فترة التمذهب التي تبنّاها الحكام ، وبروز شخصية الإمام الصادق في ذلك العصر وتصدّيه بمؤسسات مدرسته ورجال دعوته إلى تيارات الخلاف والاختلاف ، فنتج أن الإمام الصادق رأى أن يبرز معالم أحكامه وفقهه وطريقة مدرسته ومنهجها التي هي امتداد لأحكام أهل البيت الكرام وآبائه المعصومين ، وفي فترة اتضحت فيها المقاصد ، فراح عليه السّلام يختار من أصحابه ومريديه الرجال ، فيحمّلهم المهام الدينية والفكرية والاجتماعية ليظهروا - في خضم تلك الفترة التي تعدّدت فيها الموجات واتسعت - أحكام آل محمد ، ويطبقوا طريقة الإمام الصادق في الدعوة الدينية ، وحماية مبادئ العقيدة وروح الإسلام مما يحيط بها من مخاطر وويلات ، فكان مصداق ما سعى إليه عليه السّلام أن يقال عنهم : « رحم اللّه جعفر بن محمد ما أحسن ما أدّب به أصحابه » .
وقد كان تفرّد الإمام الصادق بصفات خاصة من الحقائق التي عجزت السلطة عن إخفائها أو طمسها ، وظلت منزلته الدينية والعلمية لا ينال منها العداء أو النصب ، فتراه عليه السّلام سيد الفقهاء وأستاذهم الذي يفتخر بالأخذ عنه ، ويتشرف برواية حديثه .
وقد استظهرنا من تتبع ظروف نشأة مدرسة الإمام الصادق وأحوال نشاطها تلك المهمات الجسام التي كان على الإمام الصادق أن يتولاها ، وتلك العوائق التي واجهها الإمام الصادق ، فقد كان الخطر من السلطة الحاكمة بطابعه السياسي ، والخطر من الحركات التي قامت واشتدت بطابعها الديني والفكري .
ويدلنا البحث على متانة الصرح الفكري الذي شيّده الإمام الصادق ، بحيث تمكّن من أداء المهمات ، واستطاع مواجهة تلك الأخطار ، وأرسى حركة الفقه والعلم على قواعد ثابتة وأصول دائمة . ولذلك فإن الحاجة تزداد ظهورا في عصرنا إلى إحياء منهج مدرسة الإمام الصادق ونشر أفكاره ، لأن التكوين العقائدي لمدرسة الإمام الصادق والذي اشتمل على حاصل ما قرره النبي محمد والأئمة الأطهار من أهل بيته الكرام تكوين ثابت ومستقر ، له القابلية - بمقتضى ما انطوى عليه من أحكام وما ضمّه من تراث - على ضمان بقاء الأمة وتحقيق أمنها ومواجهة أعدائها .
ونرى اليوم ما يعاني منه الفكر الشيعي واشتداد الهجمة المعادية من قبل الحكام
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 508
مساهمون: اسد حيدر
ص٥٠٨