والخلاصة :
فإن الحاكم كانت تبدو عليه منذ حداثة سنّه مظاهر التفوّق والذكاء وقوة الشخصية ، وقسمات الإنسان المتميز عن الأشباه والأقران ، وكان صاحب اهتمامات ثقافية وفكرية مبكرة ، لا في مجال الفلسفة والتشيّع والفلك والتنجيم فقط - كما اشتهر عنه - بل وفي مجال التذوّق الأدبي للشعر والنثر ، والمشاركة في مجالسهما ومخالطة أعلامهما في ذلك الحين « 1 » . وبرز في عهده أسماء كان لها أثرها في انتشار الإسماعيلية كأحمد حميد الدين الكرماني ، والقاضي عبد العزيز بن محمد بن النعمان ، والحسن بن الحسن بن الهيثم وغيرهم من الدعاة ورجال الفكر الإسماعيلي . أي أن الحركة العلمية التي بدأها المعزّ الفاطمي مع بنائه القاهرة لم تهدأ ، وبقيت على وتائرها المتعددة ، منها ما يتعلق بالفكر الإسماعيلي ، ومنها ما يتصل بالحياة الفكرية والأدبية المختلفة ، والتي تدين للمعزّ الفاطمي بأعماله وعنايته ، كما تدين العلوم الإسلامية لعمله الأزهر بالفضل . ولا جدال في أن عصر المعزّ لدين اللّه من أزهى العصور ، وكيفما اتجهت إليه النظرة ، فإن عصره يمتاز بأمارات التقدم والترقي والحضارة . ويحتل في العقيدة الإسماعيلية موقعا متميزا بين أئمتهم ، فقد عدّ بعد إمامهم محمد بن إسماعيل مجددا للشريعة ، عندما أمر القاضي النعمان بن محمد بتجديد الشريعة ورفع مبانيها وإظهار ظواهرها ومعانيها ، فألّفها في مائتي كتاب تزيد على عشرين ، وزاد على ذلك عدة كتب ، جاء فيها من ذكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام « 2 » .