والشيعة تقيّد الإمامة بالنص ، وتجعلها في إطارها الشرعي وأصلها الديني ، فهي من أركان الدين ، وليست من الفروع حتى يمكن أن يجتهد فيها ، وتفوّض تفاصيلها وأحكامها إلى البشر ، فيكون للأمويين الرأي في الإسراف في الظلم واتخاذ مظاهر السلطان والعظمة ، ويصبح للعباسيين الحق في قتل أولاد النبي محمد ، وارتكاب المحارم ، وصرف أموال الرعية في غير وجوهها وحلّها . وقد أطلق الإمام الكاظم - كما علمنا - كلمته في شدة المواجهة مع السلطان والملوكية التي تتلبس بالإسلام ، فقال للرشيد قولته : « أنا إمام القلوب ، وأنت إمام الجسوم » لأن مظاهر الخضوع والموافقة التي تنسجم مع مظاهر الأبهة والسلطنة كانت من مقتضيات القهر والغلب ، ولقد جاء من سوّغ إظهار الحكم المتسلط بالسيف والقائم بالغلبة بمظهر الإمامة ، وإقرار سلطانه مع الفجور ، وذلك من أبعد ما يكون عن الإسلام ، ومن أغرب ما اختاروه للإساءة إلى عقيدة الإمامة . وإذا نظرنا إلى الملوك الفاطميين ، وجدنا انسياقهم إلى مظاهر الملوكية بأوسع صورها . وقد كان المعزّ - صاحب المواكب والركوبات التي تبعث على الدهشة والانبهار - إذا ما اطلع المرء على ما كتب عن هذه المواكب والركوبات التي يترك وصفها في النفس والذهن صورا خيالية ، وهي تجري على نظام وترتيب ومراسيم وأعمال لم يكن مثلها في عصر أو قطر آخر « 1 » . والقصد أن مسلك حياتهم أقرب إلى الدنيا والسياسة ، وأدنى إلى إمامة الجسوم وسلطة الزمان ، وهم أوفق بها . أما الإمامة الكبرى فهي مقيدة بشروطها ، ومتعلقة بأهلها الذين أحاطهم ولاة الجور بأسوار من الرعب . ولكن نور الإمامة لا تحجبه زنزانات الحكام أو عساكرهم ، ولم ينل الحكّام من تفاني الأئمة الأطهار من أهل البيت في الدعوة إلى التمسّك بالعقيدة ونشر الأحكام . والخلاصة ، فإن الفاطميين قاموا بدور كبير ومشرّف في مجال رفعة شأن
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 497
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٩٧
مضمون الإمامة من حيث كون الإمام هو الهادي والمرشد إلى الطريق الحق ، وهو القدوة لقوله تعالى :
واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِين إِماماً
وقوله عز وجل :
وجَعَلْناهُم أَئِمَّةً يَهْدُون بِأَمْرِنا
والإمامة التي تنطوي عليها الخلافة هي لدوام النبوة وبقاء الرسالة لقوله تعالى :
إِنِّي جاعِلُك لِلنَّاس إِماماً
وقوله سبحانه :
ونُرِيدُ أَن نَمُن عَلَى الَّذِين اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض ونَجْعَلَهُم أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُم الْوارِثِين
هامش
( 1 ) انظر تفاصيل وصف المواكب هذه في النجوم الزاهرة ج 4 ص 79 - 101 .