لقد كان الحاكم يدور في الأسواق على حماره ، يبحث عن الذين يغشّون الناس ، ويتولى عمل الحسبة بنفسه . فإذا انتهت هذه الأعمال تاريخيا إلى الذين أسهموا في إشاعة بدع الضلال ، واستسهلوا إطلاق كلمة الفساد والرداءة على الآخرين ، وقيّد مداركهم التعصّب ، وشوّه علمهم الهوى ، قالوا بما يضحك ، وكتبوا زورا ، ولكنهم مرغمون على ذكر الحقيقة كقولهم : ( فمن وجده قد غش في معيشة ، أمر عبدا أسود معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى ، وهذا أمر منكر ملعون لم يسبق إليه ، وكان قد منع النساء من الخروج من منازلهن ، وقطع شجر الأعناب حتى لا يتّخذ الناس منها خمرا ، ومنعهم من طبخ الملوخية وأشياء من الرعونات التي من أحسنها منع النساء من الخروج وكراهة الخمر . . . ) « 1 » . ثم تسهم الإقليمية في الحملة على الحاكم بأمر اللّه الذي استطاع أن يقيم حكما قويا ، أن ينشغل به ملوك الأقطار الإسلامية الأخرى الذين ضعفت قبضتهم ووهنت قواهم ، وهم بأبراد الخلافة وأزياء الإسلام التي تكفل لهم الخضوع والاستسلام . يقول محمد عمارة : ( ونحن نرى أن شخصية الحاكم بأمر اللّه شخصية تاريخية قد أصابها الكثير من الظلم والتعسّف في التفسير والتحليل من قبل الكثير من المؤرخين والباحثين . بل ونرى أن هذا الظلم قد انسحبت أذياله على القاهرة ومصر ، فبدت في ثوب من السخرية والاضطراب ، وجو من الإجراءات التي لا رابط لها ولا منطق وراءها خلال فترة حكم هذا الخليفة التي امتدت ربع قرن من الزمان ) « 2 » . ولقد بلغ من قوة الحاكم وقدرته على السلطان والملك ، أن ينفذ إلى بني العباس في إقليم سلطانهم وموضع ملكهم ، فخطب أبو المنبع قرواش بن المقلد الملقب بمعتمد الدولة للحاكم سنة 401 ه فجمع معتمد الدولة أهل الموصل ، وأظهر طاعة الحاكم ، وأحضر الخطيب يوم الجمعة ، وأعطاه نسخة ما يخطب نقتطف منها : ( اللّه أكبر اللّه أكبر لا إله إلا اللّه ، واللّه أكبر وللّه الحمد ، الحمد للّه الذي انجلت بنوره غمرات الغضب ، وانهدّت بقدرته أركان النصب ، وأطلع بقدرته شمس الحق من
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 491
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٩١
هامش
( 1 ) ابن كثير ج 12 ص 9 .
( 2 ) عندما أصبحت مصر عربية ، محمد عمارة ص 96 .