في السلوك والتصرّف يلتزم بتعاليم السنة ، ويحتج بأحاديث النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ويحاول بهما أن يحمي نفسه ويصون كرامته ، ويلوذ بالعلم ، ويتوسّل بالفقه ليردّ عنه كيد السلطة ، حتى لتطالعنا من بين ملامح تلك الصورة أن أحمد بن حنبل ساير قوة السلطان ، وأظهر ما يريد الحكام تحت وقع السياط ، ليكف الأذى ويدفع العذاب ، فهذا مؤرخنا اليعقوبي يقول : وامتحن المعتصم أحمد بن حنبل في خلق القرآن ، فقال : أنا رجل علمت علما ، ولم أعلم فيه بهذا . فأحضر له الفقهاء ، وناظر عبد الرحمن بن إسحاق وغيره ، فامتنع أن يقول أن القرآن مخلوق ، فضرب عدة سياط .
فقال إسحاق بن إبراهيم : ولّني يا أمير المؤمنين مناظرته . فقال : شأنك به . فقال إسحاق : هذا العلم الذي علّمته نزل به ملك ، أو علمته من الرجال ؟ فقال : بل علّمته من الرجال . فقال : شيئا بعد شيء أو جملة ؟ فقال : علمته شيئا بعد شيء . قال : فبقي عليك شيء لم تعلمه ؟ قال : بقي عليّ . قال : فهذا مما لم تعلمه ، وقد علمك أمير المؤمنين . قال : فإني أقول بقول أمير المؤمنين . قال : في خلق القرآن ؟ قال : في خلق القرآن . قال : فأشهد عليه ، فخلع عليه وأطلقه . انتهى . وهنا نلاحظ أن أحمد بن حنبل بعد خروجه من السجن وامتحان القوة له ، قد وجد العامة التي تضرّرت بمواقف وسياسة المأمون وخلفه تنتظر خروجه وتتشوق للقياه ، فيبالغ في الرد ، ويسمح لنفسه بالحكم على مخالفيه بما لم يرد به نص ، وبما يخالف ما احتج به أمام قوة السلطان وهو يمتحن أمام خلفاء بني العباس ويتقي اعتداءهم . كما نلاحظ في عموم سيرته غموضا ، وأحيانا خفاء في رأيه في الإمام علي عليه السّلام أو يزيد بن معاوية ، إذ تضطرب كما في الروايات ، ومهما يكن من أمر ، فإن العامة قد وجدت نفسها مستهدفة من قبل سياسة بني العباس في عهد المأمون وخلفيه حيث ظهرت السلطة بمظهر العلم وصفة المتكلّمين . وقد كان المأمون شديدا عليهم وهو يستعير منطق المعتزلة وأفكارهم ، ويصدر أوامره السلطانية من مرو ليلبس حكمه لبوس المرحلة ، فيقول في أول كتاب له : وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة فمن لا نظر له ، ولا رؤية ولا استدلال له بدلالة اللّه وهدايته ، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق ، أهل جهالة باللّه وعمى عنه ، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به ، ونكوب عن واضحات إعلامه وواجب سبيله ، وقصور عن أن يقدروا اللّه حق قدره ، ويعرفوه كنه معرفته ، ويفرقوا بينه وبين
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 47
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٧