تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥

السلطة وأصحاب الأغراض المختلفة ، فعمد إلى سلطة الحكم لأحداث هزّة في طريقة بقاء الناس على استسلامهم واستمرارهم على موروثهم ، وفكّر في المجاهرة بأمور ينتهي إليها النظر الجريء والحرّ ، لكن حركة الرأي ونشاط العقل مهما شهدت من ألوان وضروب متطورة ، لم تشمل المجتمع بأسره ، ولم تسع الناس جميعا ، ولا بد أن يبرز للموروث موقف ، كما أنها ليست هي الدين كله . وقد أساء بذلك . لقد تهيأت الظروف لأن يبرز أحمد بن حنبل . وكان وراءه شيوخ آخرون دفعوه إلى الثبات بوجه المأمون وعدم الإذعان ، كأبي جعفر الأنباري الذي لحق بابن حنبل لمّا حمل إلى المأمون وقال له : يا هذا ، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك ، فو اللّه لأن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبني بإجابتك خلق من خلق اللّه ، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير ، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت ، ولا بد من الموت ، فاتق اللّه ولا تجبهم إلى شيء . فجعل أحمد يبكي ويقول : ما شاء اللّه ، ما شاء اللّه . ثم قال أحمد : يا أبا جعفر ، أعد عليّ ما قلت . فأعاد عليه ، فجعل يقول : ما شاء اللّه ، ما شاء اللّه « 1 » . وقد انتهى الأمر إلى أن يبقى أحمد بن حنبل وحده في امتحان السلطة له ، حيث تخلّى كل نفر عن الثبات ، ولم يبق معه إلا محمد بن نوح الذي كان معه في الاقتياد إلى المأمون ، وقام محمد بن نوح بما يقوم به الآخرون وهم خارج الاعتقال ، والذين أخذوا يرون في أحمد رمزا لبقاء مناهجهم وطرقهم في القول والحكم . وقد كان محمد بن نوح حدثا وهو يمثل حالة أو مرحلة عمرية تشد إليها من كانوا في عمره ، فكيف إذا كانت نهايته الموت وهو في ظل الاعتقال والتعذيب ، فقد مات وهما في الطريق إلى المأمون . ولكن محمد بن نوح كان يقول لأحمد بن حنبل : يا أبا عبد اللّه اللّه اللّه ، إنك لست مثلي ، أنت رجل يقتدى بك ، وقد مدّ الخلق أعناقهم إليك بما يكون منك . فاتق اللّه وأثبت لأمر اللّه « 2 » . وتوفي المأمون في السنة نفسها ، وخلفه المعتصم ، وكان المأمون قد وضع لأخيه السياسة التي يلتزمها ، وقد كان استمراره على القول بخلق القرآن لا عن وعي

هامش
( 1 ) ابن الجوزي ، مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص 314 .
( 2 ) أيضا ص 315 .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 45 | اسد حيدر