وقد بيّن الأئمة - أنفسهم - منازلهم الدينية ومراتبهم ، ووضحوا معالم الإمامة وصفات صاحب الأمر الشرعي ، ولم يدع أحد منهم صفة إلهية . ولا ننكر أن الحركة الإسماعيلية قد اتسمت بأساليب تنظيمية وبهياكل سرية ومناهج دعائية تدل على إدراك عميق لنفسيات شعوب الشرق الأدنى ، وعلى فهم دقيق لمصادر التذمّر ، ولا يبعد عن الواقع من يقول أن للإسماعيلية سحرا خاصا وجاذبية قوية كانت تهفو بنفوس فريق من الناس وتستميلهم ، وتستأثر بأهوائهم ، وتبلغ منهم مبلغا يدفعهم إلى المخاطرة والمجازفة والإتيان بغرائب الأعمال ، وقبول الطاعة العمياء والاستسلام المطلق ، وأن في الكتمان والسرية والخفاء والغموض ما يستهوي الخيال ويرغب النفوس ويطلق الأوهام والأحلام ، وكلما كان السرّ أدق وأخفى ، أو كان اللغز أعوص وأغمض كان سحر الخفاء أشدّ جاذبية وأقوى إطلاقا للخيال . وما زال الإنسان منذ أقدم العصور مولعا بالغرائب والعجائب ، محبّا لاستطلاع الأسرار وكشف المخبآت واستجلاء الغوامض المحجوبة والأسرار المنيعة « 1 » . وجميع ذلك من مقتضيات الأفكار الفلسفية والعقائد الغامضة التي عبّرت عن نفسها بالحركة ، وليست من التقية في شيء . فما أوضح الاختلاف ، وما أجلى الفرق بين الاثنين ؟ ويصرّح الكتّاب الإسماعيليون بأن حركتهم كان لها القدح المعلّى في مضمار التنظيمات من حيث الدقة ، وإنهم برعوا براعة لا توصف في تنظيم أجهزة الدعاية على قلة الوسائل في ذلك العصر ، واستطاعوا أن يشرفوا بسرعة فائقة على أقاصي بقاع المسلمين ، ويتنسّمون أخبار إقناعهم . فقد كان الإمام الإسماعيلي - والذي يعتبر رئيسا للدعوة - يعتبر الدعاة عصبا مهما للدعوة ، فينتخب الدعاة من ذوي المواهب . ووفقت الحركة الإسماعيلية بين جهاز الدعاية الذي نظمته وبين نظام الفلك ودورته ، فجعلوا العالم - الذي كان معروفا في عصرهم - مثل السنة الزمنية . فالسنة مقسمة إلى اثني عشر شهرا ، فقسموا العالم إلى اثني عشر قسما ، وسمّوا كل قسم جزيرة ، وجعلوا على كل جزيرة داعيا ، وقالوا : إن الدعوة لا تستقيم إلا باثني عشر داعيا يتولّون إدارتها ، يقابلهم في عالم الفلك الواحد اثنا عشر برجا ، يطابقها في جسد الإنسان اثنا عشر نقيبا ، يقابلها في عالم الحجب اثنا عشر حجابا . وهكذا إلى بقية تنظيماتهم ،
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 475
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٧٥
هامش
( 1 ) القرامطة ص 78 .