فسجد سجدة في أول الليل ، وسمع وهو يقول في سجوده : « عظيم الذنب عندي ، فليحسن العفو عندك يا أهل التقوى يا أهل المغفرة » فجعل يرددها حتى أصبح . وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه ، فيبعث إليه بصرّة فيها ألف دينار ، وكان يصرّ الصّرر ثلاثمائة دينار وأربعمائة دينار ومائتي دينار ، ثم يقسّمها بالمدينة . وكان مثل صرر موسى بن جعفر إذا جاءت الإنسان الصرة فقد استغنى « 1 » . يقول الشبلخي : كان الإمام موسى الكاظم أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم كفا ، وأكرمهم نفسا ، وكان يتفقّد فقراء المدينة ، فيحمل إليهم الدراهم والدنانير إلى بيوتهم ليلا ، وكذلك النفقات ، ولا يعلمون من أي جهة وصلهم ذلك إلا بعد موته أه . ولم يتمكن الرشيد - بسلطانه الغاشم - من أن يحجب نور الإمام بحبسه الإمام الكاظم ، بل كان المكلّفون به لا يملكون إلا تقديسه وتبجيله ، ومن وراء القضبان كانت أخبار الإمام الكاظم أشدّ تأثيرا على العباسيين . عن عمار بن أبان يروي الخطيب ، قال : حبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السندي ، فسألته أخته أن تتولى حبسه - وكانت تتدين - ففعل ، فكانت تلي خدمته ، فحكى لنا أنها قال : كان إذا صلى العتمة حمد اللّه ومجّده ودعاه ، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل ، فإذا زال ، قام يصلي حتى يصلي الصبح ، ثم يذكر قليلا حتى تطلع الشمس ، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى ، ثم يتهيأ ويستاك ويأكل ، ثم يرقد إلى قبل الزوال ، ثم يتوضأ ويصلي حتى يصلي العصر ، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة ، فكان هذا دأبه . فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت : خاب قوم تعرّضوا لهذا الرجل ، وكان عبدا صالحا . . . أه . وتروى له الكرامات والفضائل في السجون الأخرى التي كان بها الإمام الكاظم ، وقد رويت في المصادر التي ذكرت سيرته عليه السّلام . وكان الإمام الكاظم لا ينفك في سجنه يصف الرشيد بالطاغية ، ويحذر حاشيته مما ينتظرهم على يديه ، وأبى أن يعطي الدنية في دينه فيقر للظلمة بسلطان أو يوافقهم على ما يريدون ، فكان الإمام الكاظم غمّا على الرشيد ينغّص عليه عيشه وملذاته ولهوه ، وقد حيّرت الرشيد الدلائل والمعجزات التي ظهرت للإمام الكاظم ، فاستعان يحيى بن خالد البرمكي وقال له : يا أبا علي أما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب ، ألا تدبّر في أمر هذا الرجل تدبيرا يريحنا من غمه ؟ فقال له يحيى : الذي أراه لك يا
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 452
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٥٢
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد .