فقالوا : إن الكتب التي تنسب إليه ليست له ، وإنها للصولي ، فسرقها ونسبها لنفسه « 1 » . واتسع نشاطهم فعمّت الفوضى في البلاد ، وذلك في عهد الراضي ، فأصدر منشورا يردّ عليهم ويعدّد مساوئهم ، ويهدّدهم بالعقاب ، والنكال . وجاء في المنشور الذي وجهه إليهم قوله : وقد تأمل أمير المؤمنين أمر جماعتكم ، وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم . . . . « 2 » زيّن لحزبه المحظور ، ويدلي لهم حبل الغرور ، فمن ذلك تشاغلكم بالكلام في رب العزّة تباركت أسماؤه ، وفي نبيّه والعرش والكرسي ، وطعنكم على خيار الأمة ، ونسبتكم شيعة أهل بيت رسول اللّه إلى الكفر والضلال ، وإرصادهم في الطرقات والمحال ، ثم استدعاؤكم المسلمين إلى التدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن . إلى آخر ما يتضمنه المنشور من تعداد مساوئ تلك الخصال ، والتهديد لهم بالعقوبة وعظيم النكال . إذن ، تمكّن التعصب من نفوس العامة ، واشتدّ أمر الحنابلة ، وكان منهجهم يتّسم بالعنف ، والتعدي على كل من خالفهم الرأي . وهكذا تلونت الأحداث بتعدد الحكام وتغيّر الأغراض ، فإذا ارتأى المأمون أن تكون قضايا الفكر والعمل شعارا لدولته فقد كان ينزع إلى خدمة الحكم وتوطيد أركان السلطان ، حتى استطاع أن يجعل المتعلقين بالحكم والمستفيدين من الخلافة تبعا له في رأيه . ويقتضي البحث أن نشير دون تفصيل إلى أوامره في هذه المشكلة ، وهي إن أدرجت في عرض للمقارنة نراها تضم أفكار المعتزلة ، وهذه الأوامر تذكر دوما في المراجع والكتب التي تؤرخ لهذه القضية ، وتجدها مبسوطة فيها ، ونحن نختار ما صدر من المأمون عندما كان في الرّقة ، ونقتصر منه على الجزء الذي يتناول مسألة خلق القرآن ، وكان ذلك سنة 218 ه - كما ذكرنا - فقد قرر المأمون أن يتولى إلزام الناس بالقول في خلق القرآن ، واختار أن يبدأ بأنفار عيّن أسماءهم ، منهم : محمد بن سعد كاتب الواقدي ، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون ، ويحيى بن معين ، وزهير بن حرب أبو خيثمة ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ،
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 42
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٢
هامش
( 1 ) ابن مسكويه ، تجارب الأمم ج 1 ص 322 .
( 2 ) بياض في الأصل .