وأحمد بن الدورقي . فأشخصوا إليه ، فامتحنهم وسألهم عن خلق القرآن ، فأجابوا جميعا أن القرآن مخلوق . وتبنّت سلطته في بغداد أمر إشاعة ذلك عنهم وتقرير قولهم بحضور الفقهاء ورجال أهل الحديث « 1 » . واتخذت أفكار المعتزلة ومعتقداتهم صفة الأمر السلطاني كما جاءت على لسان المأمون في أمره إلى إسحاق بن إبراهيم ( . . . واللّه عز وجل يقول :
إِنَّا جَعَلْناه قُرْآناً عَرَبِيًّا
وتأويل ذلك : إنا خلقناه . كما قال جل جلاله :
وجَعَل مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُن إِلَيْها
وقال :
وجَعَلْنَا اللَّيْل لِباساً . وجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
وجَعَلْنا مِن الْماءِ كُل شَيْءٍ حَيٍّ
فسوّى عز وجل بين القرآن وبين هذه الخلائق التي ذكرها في مشيئة الصنعة ، وأخبر أنه جاعله وحده فقال :
بَل هُوَ قُرْآن مَجِيدٌ . فِي لَوْح مَحْفُوظٍ
فقال ذلك على إحاطة اللوح بالقرآن ، ولا يحاط إلا بمخلوق . وقال لنبيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
لا تُحَرِّك بِه لِسانَك لِتَعْجَل بِه
وقال :
ما يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَث
وقال :
ومَن أَظْلَم مِمَّن افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً أَوْ كَذَّب بِآياتِه
وأخبر عن قوم ذمهم بكذبهم أنهم قالوا :
ما أَنْزَل اللَّه عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ
ثم أكذبهم على لسان رسوله فقال لرسوله :
قُل مَن أَنْزَل الْكِتاب الَّذِي جاءَ بِه مُوسى
فسمى اللّه تعالى القرآن قرآنا وذكرا وإيمانا ونورا وهدى ومباركا وعربيا وقصصا فقال :
نَحْن نَقُص عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص بِما أَوْحَيْنا إِلَيْك هذَا الْقُرْآن
وقال :
قُل لَئِن اجْتَمَعَت الْإِنْس والْجِن عَلى أَن يَأْتُوا بِمِثْل هذَا الْقُرْآن لا يَأْتُون بِمِثْلِه
وقال :
قُل فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه مُفْتَرَيات
وقال :
لا يَأْتِيه الْباطِل مِن بَيْن يَدَيْه ولا مِن خَلْفِه
فجعل له أولا وآخرا ، ودل عليه أنه محدود مخلوق . وقد عظم هؤلاء بقولهم في القرآن المتكلم في دينهم والحرج في أمانتهم ، وسهلوا السبيل لعدو الإسلام ، واعترفوا بالتبديل والإلحاد على قلوبهم ، حتى عرفوا ووصفوا خلق اللّه وفعله بالصفة التي هي للّه وحده ، وشبّهوه والأشباه أولى بخلقه ، وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين ، ولا نصيبا من الإيمان واليقين ، ولا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة ولا عدالة ولا شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية ، ولا توليه لشيء من أمر الرعية . . . )
إلى آخر كتابه .
ومع هذه الحالة الفكرية والصياغة الدينية ، وما اتصف به حكم المأمون من
هامش
( 1 ) راجع الطبري 10 / 286 وابن طيفور 181 و 182 .