تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨

العباسي ، وعلى عادتهم إذ كانوا يتخذون الحج ذريعة للوصول إلى مواقع الأئمة من أهل البيت ، فحج مرة واجتمع بالإمام الكاظم عند الكعبة ، وقال له الرشيد : أنت الذي يبايعك الناس سرّا ؟ فقال الإمام عليه السّلام : « أنا إمام القلوب ، وأنت إمام الجسوم » « 1 » . ولا يدع الإمام لهارون الرشيد فرصة يفتخر بها على المسلمين بالانتساب إلى النبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولا يتركه يتمتع ويدل بشرف القرابة التي يستعملها لظلمه ، فلمّا حج هارون الرشيد مرة ، فأتى قبر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم زائرا له ، وحوله قريش وأفياء القبائل ، ومعه الإمام موسى الكاظم ، فلما انتهى إلى القبر قال الرشيد : السّلام عليك يا رسول اللّه يا ابن عمي . افتخارا على من حوله ، فدنا الإمام موسى بن جعفر فقال : « السّلام عليك يا أبة » فتغيّر وجه هارون وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن حقا « 2 » . وفي بعض الروايات أن الإمام الكاظم أجابه : « وعليك السّلام يا عبد اللّه » فلم يحتملها الرشيد « 3 » . ولمّا قرب الرشيد من المدينة ، استقبله الوجوه من أهلها ، وتقدمهم الإمام الكاظم على بغلة ، فقال له الربيع : ما هذه الدابة التي تلقيت عليها أمير المؤمنين ، وأنت إن طلبت عليها لم تدرك ، وإن طلبت لم تفت ؟ فقال : « إنها تطأطأت عن خيلاء الخيل ، وارتفعت عن ذلّة العير ، وخير الأمور أوساطها » « 4 » . ولم يكن الإمام الكاظم ليخشى الرشيد في أمر هو فيه الحكم وإليه المفزع ، فهو صاحب السلطة الروحية ، وإليه أمر الشريعة ، فسأله محمد بن الحسن يوما - بمحضر الرشيد وهو بمكة - فقال : يجوز للمحرم أن يضلل محمله ؟ فقال الإمام : « لا يجوز له ذلك مع الاختيار » فقال محمد بن الحسن : أفيجوز له أن يمشي تحت الضلال ؟ فقال له : « نعم » فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك . فقال له الإمام عليه السّلام : « أتعجب من سنّة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتستهزئ به ، إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كشف ظلاله في إحرامه ، ومشى تحت الظلال وهو محرم ، إن أحكام اللّه لا تقاس ، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل عن سواء السبيل » فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا .

هامش
( 1 ) الإتحاف ص 55 .
( 2 ) تاريخ بغداد ج 13 ص 31 . وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 259 . وتاريخ ابن كثير ج 10 ص 183 .
( 3 ) الإتحاف ص 55 .
( 4 ) روضة الواعظين .