تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤

وكان الإمام موسى عليه السّلام تتمثل فيه خصال الكمال ، وتتجسّم فيه شخصية الإمام الحق ، ولعظم الأهوال وشدّة المحن ، غلبت عليه صفة الكاظم ، وكان من خصاله : التجاوز عن المعتدين « 1 » . وكان يدعى بالعبد الصالح لعبادته واجتهاده ، وكان سخيا كريما ، وكان يبلغه عن الرجل أنه يؤذيه ؛ فيبعث إليه بصرّة فيها ألف دينار « 2 » . وبقي عليه السّلام مدة في أيام المهدي في المدينة ، يقوم بإرشاد الناس وهداية الخلق ، الأمر الذي جعل المهدي يتخوّف من انتشار دعوته وقوة جانبه ، فلم يأمن وثبة الشيعة بقيادة الإمام موسى ، فعمد إلى إبعاده عن المدينة وإقامته في بغداد تحت رقابة شديدة ، أو أنه سجنه كما هو المشهور . ومكث عليه السّلام في السجن مدة أشهر ، ثم أطلقه المهدي لرؤيا رآها كما حدّث الفضل بن الربيع عن أبيه أنه لما حبس موسى بن جعفر عليه السّلام رأى في النوم علي ابن أبي طالب وهو يقول : يا محمد ( أي المهدي )

فَهَل عَسَيْتُم إِن تَوَلَّيْتُم أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُم

. قال الربيع : فأرسل إليّ ليلا فجئته ، فإذا هو يقرأ هذه الآية ، وكان أحسن الناس صوتا وقال : عليّ بموسى بن جعفر ، فجئته فعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال : يا أبا الحسن إني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم يقرأ عليّ كذا ، فتؤمنني أن لا تخرج عليّ أو على أحد من ولدي . فقال عليه السّلام : « واللّه لا فعلت ذاك ولا هو من شأني » . قال : صدقت . يا ربيع أعطه ثلاثة آلاف دينار ، وردّه إلى أهله إلى المدينة « 3 » . وعلى رواية الجنابذي في المعالم أنه وصله بعشرة آلاف . ومن هنا نستظهر أن المهدي لم يسجن موسى لشيء في نفسه من عداء أو اعتداء ، وإنما كان يحذره على ملكه من الزوال ، ولم يخش أي شخصية في عصره من جميع الطوائف والبيوت سوى الإمام موسى لمؤهلاته ومكانته في نفوس الأمة ، فهو يخشى من نهضة تطيح بعرشه ، ولا تكون إلا على يد الإمام .

هامش
( 1 ) سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب لأبي الفوز البغدادي .
( 2 ) الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد 13 / 257 .
( 3 ) نفس المصدر 13 / 26 .