سيدهم . وروي أن أبا حنيفة قال : دخلت المدينة فأتيت أبا عبد اللّه الصادق عليه السّلام فسلّمت عليه وخرجت من عنده ، فرأيت ابنه موسى في دهليز داره قاعدا في مكتب - وهو صغير السن - فقلت له : أين يحدث الغريب عندكم إذا أراد ذلك ؟ فنظر إلي ثم قال : « تجنّب شطوط الأنهار ، ومسقط الثمار ، وفيء النزال ، وأفنية الدور ، والطرق النافذة والمساجد ، ويرفع ويضع بعد ذلك حيث شاء » . فلما سمعت هذا القول نبل في عيني وعظم في قلبي ، فقلت له : فممن المعصية ؟ فنظر إليّ ثم قال : « أجلس حتى أخبرك » فجلست فقال : « إن المعصية لا بد أن تكون من العبد أو من ربه أو منهما جميعا ، فإن كانت من اللّه عزّ وجل فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده بما لم يفعله ، وإن كانت منهما فهو شريكه والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف . وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر وإليه توجه النهي وله حق الثواب والعقاب ، ولذلك وجبت الجنة والنار » قال : فلما سمعت ذلك قلت : ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم « 1 » . فقد كشف الإمام موسى الكاظم - على صغر سنّه - عن المسألة التي استعصى فهمها على الناس ، وكانت مثار جدل وسببا في العداوات والقتل والطعون ، حتى شملت أبا حنيفة نفسه . لقد كان المجتمع ينظر إلى الإمام موسى نظرة إكبار وتقدير ، ولما آلت إليه الإمامة وتسلّم زعامة البيت العلوي ، صادف على الحكم بعد المنصور حكاما كالمهدي والرشيد ترتعد فرائصهم خوفا ورعبا من البيت العلوي ، إذ مضى زمن المنصور الداهية الذي استطاع أن يواجه البيت العلوي ، ويلجأ إلى كل السبل والوسائل للوقوف بوجه الإمامة والمنزلة الروحية ، ويستخدم الوحشية والقتل ليقضي على ثوراتهم وحركاتهم . فكان البيت العلوي شغل الدولة الشاغل وهاجسهم الدائم ، يقض مضاجعهم ، ويكدّر أوقات سكرهم وملذاتهم وتبذّلهم في الملاهي والشهوات . ومن المتسالم عليه ، أن الملوك الذين عاصرهم الإمام الكاظم عليه السّلام كانوا قد شدّدوا الرقابة عليه واتهموه بأنه مصدر حركات الثوار ومحل تجمع الفئات التي لا تعترف بشرعية الدولة ، وكذلك الذين ينقمون على الحكام سوء تصرفهم فإنهم يجدون
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 431
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٣١
هامش
( 1 ) روضة الواعظين ج 1 ص 39 - 40 .