بإمامة محمد بن إسماعيل بن الإمام الصادق وهؤلاء قلة ، ولم يسمعوا النص على الإمام موسى من أبيه ، وبعد مدة رجع أكثرهم إلى القول بإمامته . ومنهم من قال بإمامة موسى عليه السّلام للنص عليه من أبيه ، وسيأتي بيان ذلك .
وكان عبد اللّه الأفطح قد ادّعى الإمامة واتبعه البعض ، ولم يكن عنده علم ، ولم يجدوا فيه مؤهلات الإمامة ، فرجعوا عنه .
وقام الإمام موسى عليه السّلام بأعباء الإمامة في ذلك العصر المضطرب بالفتن ، وقد كثرت فيه الخلافات في الآراء ، وظهرت فيه العقائد المختلفة ، ونبغ أناس حادوا عن طريقة المسلمين ، فجاءوا بآراء إلحادية ، ونشروا أقوالا تثير الشك . فكانت مدرسته التي تزعّمها بعد أبيه تواصل نشاطها في قمع تلك الحركات ، وصدّ تلك الهجمات عن الدين الإسلامي . وخرج دعاة الإمام موسى إلى الأقطار الإسلامية لنشر الدعوة والتصدّي لردّ تلك الأقوال ، وتنفيذ تلك الآراء التي انتشرت في المجتمع الإسلامي .
والذي يظهر من تتبع الروايات أنه في بدء أمره كان يحذر أشدّ الحذر من المنصور الدوانيقي ، لأن المنصور ملأ المدينة بالجواسيس ليعرف على من يجتمع الناس بعد جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام فإذا عرفه فهناك سيحتال لقتله لعلمه بتعلق الناس بأهل البيت ، وأن الإمام الصادق قد انتشر ذكره ، وتفرّقت دعاته في جميع الأقطار ولا بد أن يقوم مقامه أحد ، فرأى عليه السّلام في بدء الأمر ، أن يحذر ويحسب لنقمة المنصور حسابها ، ولكن بعد وفاة المنصور سنة 152 ه خفّت الوطأة وقل الحذر عندما ولي المهدي ، لأنه أقل شدة من أبيه في معاملة أهل البيت عليه السّلام .
ولكن التفاف الناس حول الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام وإقبالهم على أخذ الأحكام منه والرواية عنه ، جعل المهدي قلقا من أمره ، لأنه أعرف الناس بمنزلة أهل البيت في قلوب الأمة . فهم الساسة الذين ابتعدوا عن الاستغلال والأثرة ، وجانبوا كلما من شأنه أن يضع من قيمة تلك المنزلة السامية ، وهم يحتفظون بمكانتهم الروحية ورتبهم العلمية ، لم يطلبوا بذلك جاها ، أو يحاولوا جمع الأموال وصرفها في غير ما شرعه اللّه .
وقد أوضحوا في سيرتهم أنهم ينهجون نهج جدّهم الرسول الأعظم في إقامة العدل ونصرة المظلوم وإعلان الحرب على الظالمين وبذل النصح لجميع المسلمين .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 433
مساهمون: اسد حيدر
ص٤٣٣