والقصد ، فإن الانتقال إلى مصر لم يكن كرحلاته السابقة لطلب العلم ، إنما اختار بلدا وهو عازم على أن يكون محلا لإقامته ليس فيه من ينازعه . فقد حل بين رجال يجمعهم اتّباع مالك ، ولما استقرّ أخذ في الردّ على أستاذه ، وقد انتهى إلى مذهبه الجديد وقد كلفه ذلك حياته ، إذ اعتدى عليه أتباع مالك . وكيف كان فقد جاء الشافعي بمذهبه الجديد ، وكان قد درس المذهبين : مذهب أهل الرأي ومذهب أهل الحديث . وقد لاحظ ما فيهما من نقص ، فبدا له أن يكمل ذلك ، وأخذ ينقص بعض التعريفات منه ناحية خروجها من متابعة نظام متحد في طريقة الاستنباط ، وذلك يشعر باتجاهه في الفقه اتجاها جديدا لا يكاد يعنى بالجزئيات والفروع . وخير ما يلخّص مسلكه هو أنه قال : الأصل قرآن وسنة ، فإن لم يكن ، فقياس عليهما . وإذا اتصل الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصح الإسناد فهو سنّة ، والإجماع أكبر من الخبر المفرد ، والحديث على ظاهره ، وما احتمل معاني فما اشتبه منها ظاهر أولاها به ، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها ، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب ، ولا يقاس أصل على أصل ، ولا يقال للأصل لم وكيف . وإنما يقال للفرع ، فإذا صح قياسه صح وقامت به الحجة . فهو بهذا المسلك وبهذا المنحى قد ردّ على مالك ، لتركه الأحاديث الصحيحة لقول واحد من الصحابة أو التابعين أو رأي نفسه . وهاجم أبا حنيفة وأصحابه لأنهم يشترطون في الحديث أن يكون مشهورا ، ويقدّمون القياس على خبر الآحاد وإن صح سنده ، وأنكر عليهم تركهم لبعض السنن لأنّها غير مشهورة ، وعملهم بأحاديث لم تصح عند علماء الحديث ، بدعوى أنها مشهورة . ووقف في القياس موقفا وسطا ، فلم يتشدّد فيه تشدّد مالك ، ولم يتوسّع فيه توسّع أبي حنيفة « 1 » . ويقول إمام الحرمين الجويني : فمالك أفرط في مراعاة المصالح المطلقة
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 412
مساهمون: اسد حيدر
ص٤١٢
هامش
( 1 ) انظر تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للأستاذ مصطفى عبد الرازق ص 225 . وضحى الإسلام لأحمد أمين ج 2 ص 224 .