وأدى اتساع حلقة الشافعي في مصر إلى سخط المالكية ، وإلى تعرّضه إلى مسلك من التعصب . فذكر الساجي : إن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك بسبب أنه بلغه أن قلنسوة لمالك يستسقى بها ، وكان يقال لهم : قال رسول اللّه . فيقولون :
قال مالك . فقال الشافعي : إنما مالك بشر يخطئ . فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه وكان يقول : استخرت اللّه في ذلك مدة سنة .
وفي مصر بلغ الشافعي درجة من الاجتهاد والنضج العلمي . ولا نشك في ذلك ، فإن القول القديم وهو العراقي ، والقول الجديد وهو المصري ، أو مذهبه الجديد ومذهبه القديم ، ينمّان عن تطور في المدارك ، وسعة في التحصيل . ولقد قيل أن السبب في هذا التحول في الأقوال هو من عوامل البيئة ومن مظاهر التأثر بالأوضاع ، والأمر قد يتسع للأقوال بهذا الخصوص ، ولكنها لا تتسع للادعاء بأنه أعلم الأمة ، وأن أمر التشريع انحصر به ، وانتهى إليه الفقه . فإذا نظرنا إلى المدة فإن الشافعي رحمه اللّه توفي سنة 204 ه فهي لا تكفي ليتحقق هذا الادعاء ، وقد وجدنا من المبالغات في مواهبه ما لا يقرّه الواقع ، ولا يحتمله العقل . ولكن عواطف الأصحاب ، والإيقاع ، ومماحكات التعصب ، وظروف التنازع المذهبي أدت إلى تعاطي ما يخالف الحقائق .
ومن الإنصاف القول أنه لم يبلغ الدرجة التي يستحق أن يكون بها عند أتباعه ، لأن الإساءة بوضع الأقوال بتأثير ردود الأفعال واضحة ، والإمام الشافعي له من العلم والفضل الحقيقيين ما يغني ، واحتلاله المنزلة التي يراها هو لنفسه خير من عواطف وردود أفعال مرتجفة .
وقد قلنا وتحدثنا مرارا عن أمواج الادعاءات ، وقد كان الشافعي يعترف لأحمد بن حنبل بأنه أعلم منه في الحديث .
لقد امتاز الشافعي عن غيره من أئمة المذاهب بتدوين مذهبه وتأليف كتبه . وقد ذكر له كثير من الكتب ، ذكرها ابن النديم والبيهقي وياقوت ، ونسب له المسند ، وليس من تأليفه ، وإنما استخرجه بعض أصحابه من أسانيد الأم . وقد كان تدوين المذهب ، سببا في الادعاء أن الشافعي هو أول من قعّد القواعد وأصّل الأصول ، وهو ما يجافي الحقيقة ولا يتفق مع الواقع ، لأن التدوين لا يعني السبق في تقعيد القواعد وتأصيل الأصول ، وإنما هو تحرير للمذهب وتقرير للرأي ، وقد ناقشنا في فصل ( تدوين العلم ) في الجزء الثاني ذلك ، فلا حاجة إلى ذكر المزيد هنا .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 411
مساهمون: اسد حيدر
ص٤١١