تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩

ولقد بحثنا في الجزء الثالث آراء الإمام الشافعي في علم الكلام وخلق القرآن والصفات والإمامة . ونرى ما حررناه في هذا الجزء جديرا باستكمال الفائدة « 1 » .

الانتقال إلى مصر :

لا شك أن الشافعي كان طموحا ، فلم يتمكن من الإقامة في بغداد إلى جانب محمد بن الحسن الشيباني وصفته فيها طالب علم ، حتى قال : حملت عن محمد بن الحسن حمل بختي . ومرة قال : وقر بعير ليس عليه إلا سماعي منه « 2 » . وكان في قدومه الأول منقطعا إلى الحسن . وتختلف الروايات في الأسباب التي حملت الشافعي على الانتقال إلى مصر ، ونحن نرجح أن يكون اصطدامه بحواجز الشهرة والسلطان التي كانت تقف أمامه وتحيط مكانة محمد بن الحسن ، وبلوغه درجة علمية تجعله يطمح إلى مكانة أعلى لا يبلغها بوجود محمد بن الحسن . وقد قيل : إنه كان يتشوق إلى مصر ، ورووا له شعرا بذلك :

أرى النفس قد أضحت تتوق إلى مصر * ومن دونها قطع المهامة والقفر فو اللّه ما أدري أللفوز والغنى * أساق إليها أم أساق إلى القبر ؟
وهذه الأبيات تنسب إلى الحسن بن هاني المعروف بأبي نؤاس ، وإن الشافعي تمثّل بها . وقيل إنه قدم مصر رغبة منه في معارضة انتشار أقوال أبي حنيفة ومالك - كما حدّث الربيع - قال : سألني الشافعي عن أهل مصر ، فقلت : هم فرقتان فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عليه ، وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عليه . فقال : أرجو أن أقدم مصر إن شاء اللّه فآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين . والحقيقة إنه قوبل في مصر كتلميذ لمالك ، وكان لمالك ذكر في مصر وتلامذته ينشرون أقواله ويتبعونه ، ونزل ضيفا على محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم ، فكرّم مثواه ، وكانت لمحمد هذا مكانة في مصر ، وهو من تلامذة مالك وإليه انتهت الرئاسة في مصر ولا يعدلون به أحدا .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد ج 7 ص 60 .
( 2 ) الانتقاء .