يختلفون إذا تكافأ الاثنان كأبي حامد الأسفراييني وسهل بن أبي سهل الصعلوكي أو الفخر الرازي والرافعي « 1 » .
بين الحديث والرأي :
ذكرنا سابقا رأي ابن حجر في اجتماع الحديث والرأي في الشافعي ، وخلصنا إلى أن الرحلة إلى العراق حقيقتها كانت لدوافع علمية ، لأن الشافعي - وهو يتلقى على مالك - كان قادرا على المناظرة ، ومستعملا الرأي الذي يخالف به أستاذه ، ويقوم بالاستنباط ، فقد روي عنه أنه كان جالسا بين يدي مالك بن أنس ، فجاء رجل إلى مالك فقال : يا أبا محمد ، إني رجل أبيع القمري ، وإني بعت يومي هذا قمريا ، فبعد زمان أتاني صاحب القمري وقال : إن قمريك هذا لا يصيح ، فتشاجرنا إلى أن حلفت بالطلاق أن قمريي ما يهدأ من الصياح ؟ فقال مالك : طلقت امرأتك . فانصرف الرجل حزينا ، فقام الشافعي إليه وقال للسائل : أصياح قمريك أكثر من سكوته أم سكوته أكثر ؟ فقال السائل : بل صياحه . فقال الشافعي : انصرف ، فإن زوجتك ما طلقت . ثم رجع الشافعي إلى الحلقة فعاد السائل إلى مالك . فقال : يا أبا عبد اللّه تفكر في واقعتي لتستحق الثواب . فقال مالك : الجواب ما تقدم . فقال : فإن عندك من قال الطلاق غير واقع . فقال مالك : ومن هو ؟ فقال السائل : هو هذا الغلام . وأومأ إلى الشافعي ، فغضب مالك عليه وقال له : من أين لك هذا الجواب ؟ فقال الشافعي : إني سألته أن صياحه أكثر أم سكوته ؟ فقال : إن صياحه أكثر . فقال مالك : وهذا الدليل أقبح ، وأي تأثير لكثرة صياحه أو قلة سكوته في هذا الباب ؟ فقال الشافعي : إنك حدثتني عن عبد اللّه بن يزيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقالت : يا رسول اللّه أن أبا جهم ومعاوية خطباني ، فأيّهما أتزوج ؟
فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أما معاوية فصعلوك ، وأما أبو جهم فرجل لا يضع عصاه عن عاتقه .
وقد علم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن أبا جهم كان يأكل وينام ويستريح ، فعلمنا أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عبّر بقوله - لا يضع عصاه عن عاتقه - على تفسير أن الأغلب من أحواله ذلك اه .
واشتهر منه ذلك وهو في الحجاز ، حتى لفت أنظار أهل الرأي كبشر المريسي « 2 »
هامش
( 1 ) انظر مفتاح السعادة لطاش كبرى زادة ج 2 ص 94 .
( 2 ) بشر بن غياث بن عبد الرحمن المريسي المعتزلي أدرك أبا حنيفة وأخذ عنه ، ثم لازم أبا يوسف وأخذ عنه ، وصار من أخص أصحابه ، واشتهر بعلم الكلام والفلسفة ، وقال بخلق القرآن ، وإليه تنسب المريسية من المرجئة ، وكفّره أكثرهم . ونسبته إلى مريسة توفي سنة 219 ه .