لأن الشافعي - مع أخذه العلم على مالك - كان يتمتع بقدرة على المناظرة ومعرفة باللغة ومزايا أخرى تبعده عن حدود الرواية والتقيّد بها فقط . قال هارون بن سعيد الأيلي : ( لو أن الشافعي ناظر على هذه العمود التي من حجارة أنها من خشب ، لغلب لاقتداره على المناظرة ) . ونرى أن الرحلة إلى العراق كانت بدوافع علمية ، بعد أن أتقن علم الحديث ، ليطلع على أهل الرأي وهم في مصرهم فقال : ( سمّيت ببغداد : ناصر الحديث ) فيما كان إقباله على الأخذ من محمد بن الحسن يفوق إقباله في المدينة على أصحاب الحديث .
ومما لا شك فيه أن الشافعي كان ذكيا في صباه ، إلى جانب الحفظ ، فكان معلمه كلما علّم صبيا شيئا كان الشافعي يتلقف ذلك الكلام ، ثم إذا قام المعلم من مكانه ، أخذ الشافعي يعلّم الصبيان تلك الأشياء ، فنظر المعلم فرأى الشافعي يكفيه أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي كان أهل الشافعي لا يجدونها لفقر حالهم . وكان في كل أحواله وهو في طلب العلم فهما مدركا .
لقد أدى الإعجاب بالشافعي والتعامل بالمذهبية إلى تكلّف أمور لا نشك بأنها أصبحت من أمارات السيادة وعلامات الرئاسة ، رغم علمهم بأن استسهال الوسائل كالمنامات لإيجاد الصلة بالنبي محمد لا يخفي حقيقة الغرض والبواعث ، بدليل تقليدهم غيرهم فيما يعملون ، فهم ليسوا بدعا في ذلك ، وسير رؤساء المذاهب التي أكملها الأصحاب والأتباع ، ممن سبق الشافعي قد أخذت بالظهور في المجالس والحلقات ، وعانى من بواعثها المتعصبة الإمام الشافعي نفسه عندما استقرّ بمصر أو خلال وجوده في بغداد .
وقد كان أولى بأهل العلم أن يدعوا الشافعي يأخذ منزلته بما وهبه اللّه من علم ، ويتبوّأ مكانته بما يستحقّه . فالمزني يقول : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في المنام ، فسألته عن الشافعي . فقال لي : من أراد محبتي وسنّتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي المطّلبي فإنه مني وأنا منه .
وبعض هذه المنامات يتجاوز حدود اللياقة اللازمة لذكر المصطفى ، مما يجعل منام المزني الآنف متميزا بمراعاة الحضرة النبوية . أما أحمد بن حسن الترمذي - على ما رواه الخطيب البغدادي - ففيه من الإساءات ما يحتاج إلى قول أوسع وأشمل . قال :
كنت في الروضة فأغفيت ، فإذا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد أقبل ، فقمت إليه فقلت : يا رسول اللّه قد
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 399
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٩٩