تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩

قتيبة : كنّا إذا أتينا مالكا خرج إلينا مطيبا ، قد لبس من أحسن ثيابه ، فتصدّر ودعا بالمراوح ، فأعطى كل إنسان مروحة « 1 » . وقد نصح بعضهم مالكا بالتواضع ، وترك ما هو عليه . فكتب إليه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي المدني - وكان من أهل الحديث - : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وصلى اللّه على رسوله محمد في الأولين والآخرين ، من يحيى بن يزيد بن عبد الملك إلى مالك بن أنس ، أما بعد فقد بلغني أنك تلبس الدقاق ، وتأكل الرقاق ، وتجلس على الوطء ، وتجعل على بابك حاجبا ، وقد جلست مجلس العلم ، وقد ضربت إليك المطي ، وارتحل إليك الناس ، واتّخذوك إماما رضوا بقولك ؛ فاتق اللّه يا مالك ، وعليك بالتواضع ، كتبت إليك بالنصيحة كتابا ما أطلع عليه غير اللّه سبحانه وتعالى والسّلام . ويكتب إليه مالك كتابا يقرّ في آخره بما آخذه به يحيى ويقول : فنحن نفعل ذلك ، ونستغفر اللّه تعالى ، فقد قال اللّه تعالى :

قُل مَن حَرَّم زِينَةَ اللَّه الَّتِي أَخْرَج لِعِبادِه والطَّيِّبات مِن الرِّزْق

وإني لأعلم أن ترك ذلك خير من الدخول فيه « 2 » . والخلاصة ، إننا لم نجد عند أحد من رؤساء المذاهب أو العلماء الذين كان لهم حظ وافر من تقريب السلطة لهم ما وجدناه عند مالك ، فهذا الإمام أحمد كان يتحلى بروح إنسانية عالية بعيدة عن الميل والعنف - مع تشدده - فقد سئل يوما عن حبس أهل البدع ، فأنكر ذلك بحجة أن لهم والدات وأخوات . أي أنه كره أن يتعدى عقابهم إلى الأبرياء من ذويهم ممن ليس لهم ذنب أو جريمة ، وما خلا القول بخلق القرآن والرؤية ، فإنا نرى الإمام أحمد يسمح بالمناظرة والقول . ومن العجب أن يستجيب رجل الدين للدولة ويؤثر فيه ميلها إليه بحكم مصالحها واحتضانها له لأغراضها ، ويسمح لنفسه بأن يعامل الآخرين بهذا الشكل من النكال . فيشمل ذلك طلبة العلم أو العلماء ، وأنهم - كما رأينا - تركوا أن يحدّثوا بشيء لأنه كان يعاقب من يروي عن النبي حديثا فيسجنه ما لم يصح عنده . فما ذا يعتذر له بذلك ؟ فليسوا أصحاب جدل ولا شبهة هوى أو بدعة ، وإنما علماء عاصروه وهم أعلم منه أو في طبقته ، وما علمنا ذلك إلّا من شؤون الملوك وسلاطين الزمان . ولكن

هامش
( 1 ) تذكرة الحفّاظ ج 1 ص 196 .
( 2 ) إحياء علوم الدين ج 1 ص 114 .