من تراب العقيق . قال : فتقدم رجل ، فقرع الباب ، فخرجت إلينا جارية سوداء ، فقال لها الأمير : قولي لمولاك أني بالباب . قال : فدخلت ، فأبطأت ، ثم خرجت فقالت : إن مولاي يقرئك السلام ويقول : إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب ، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف . فقال لها : قولي له : إن معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة . فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي ، فوضعته ، ثم إذا أنا بمالك . . . إلخ الرواية « 1 » . ولنتأمل تهيّب الوالي من الوصول إلى مالك ، فهو أمر غير معهود ، بل وغريب ، ولكن مصلحة الملوك اقتضت ذلك . فقد نقل أن المنصور كان يطلب من مالك أن يبدي رأيه في ولاته على الحجاز . وقال له : إن رابك ريب من عامل المدينة أو عامل مكة أو أحد من عمّال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك ، أو سوء أو شرّ في الرعية ، فاكتب إليّ بذلك ، أنزل بهم ما يستحقّون . فامتناع مالك في أول الأمر كان لظنّه أن الطارق من طلبة العلم . أما عندما علم بأنه من قبل والي مكة فقد تغيّر الحال ، لأن ذلك من شؤون الدولة . ولذلك فإن العلم يفرض علينا أن نستغرب صدور مثل هذه التصرفات في السلوك والمظهر من رجل له مكان الصدارة في مجلس العلم . ويبوّئ نفسه مقام المرجعية لأحكام الشريعة ، لأنها أمور لا يتوقع صدورها إلا من الحكام الذين عدمت عندهم مقاييس العدل والمساواة . وعلى أي حال ، فإن الإمام مالك انتشر ذكره في الحجاز بعوامل السلطة ، فقرّبه الحكّام والزموا الناس بالرجوع إليه ، فأقبلت عليه الدنيا واستجاب هو لأشكال هذا الإقبال . ونرى فيما قدّمناه كفاية ، وقد أصبحت الصورة عن الإمام مالك متكاملة ، وكان القسم الأول في الجزء الثاني قد ضم الأمور الفقهية ، ولم نأت هنا على ما بحثناه في السابق من الجوانب التي تتعلق بالمذهب المالكي .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 391
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٩١
هامش
( 1 ) معجم الأدباء 17 / 275 . ومناقب الشافعي للفخر الرازي وتوالي التأسيس .