وقد رأينا مالكا قبل إلحاقه بالدولة وهو يسعى إلى العلم ، فلم يظهر عليه إلا الرغبة في السماع . ومن المفاخر أن يؤدي به طلب العلم إلى أن ينقض سقف بيته ويبيع خشبه - كما يروي ابن فرحون - غير أن إقبال الحكّام عليه أحدث انقلابا في مسلكه وسيرته واستجاب لما تضفيه عليه السلطة . فعند ما يحاول أولياء وأقرباء بعض المسجونين في سجون المدينة المنورة التوسط لدى المنصور ، ويلجأ المنصور إلى الصيغة التي تجنّبه اللوم ونسبة الظلم إليه بإدخال العلماء وأهل الدين في المعاينة ، نجد مالك يجيب وفق ما يريد المنصور . ومعلوم أن أمر المدينة كان يشق على المنصور ، وكانت السجون التي فيها تعكس مشاعر المنصور تجاه أهلها ، فلما ولي عبد الصمد على المدينة عاقب بعض القرشيين وحبسه حبسا ضيّقا ، فكتب بعض قرابته إلى المنصور وشكى ذلك إليه وأخبره . فكتب المنصور إلى المدينة وأرسل رسولا وقال : اذهب فانظر قوما من العلماء ، فأدخلهم عليه حتى يروا حاله وتكتبوا إلي بها ، فأدخلوا عليه في حبسه مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وابن أبي سيرة وغيرهم من العلماء فقال : اكتبوا بما ترون إلى أمير المؤمنين . قال : وكان عبد الصمد لما بلغه الخبر حل عنه الوثاق ، وألبسه ثيابا ، وكنس البيت الذي كان فيه ، ورشّه ، ثم أدخلهم عليه . فقال لهم الرسول : اكتبوا بما رأيتم . فأخذوا يكتبون : يشهد فلان وفلان . فقال ابن أبي ذئب : لا تكتب شهادتي ، أنا أكتب شهادتي بيدي إذا فرغت ، فارم إليّ بالقرطاس . فكتبوا : محبسا لينا ، ورأينا هيئة حسنة . وذكروا ما يشبه هذا الكلام ، ثم دفع القرطاس إلى ابن أبي ذئب ، فلما نظر في الكتاب فرأى هذا الموضع قال : يا مالك داهنت وفعلت وملت إلى الهوى . اكتب : رأيت محبسا ضيقا ، وأمرا شديدا . وجعل يذكر شدّة الحبس « 1 » . وأخذ مالك باستعمال العنف والمعاملة بالقسوة ، فكان إذا حدّث يقوم على رأسه الحرس ، فإذا تكلم أحد أو اعترض عليه ، أشار للحرس فيسحبون المتكلم ويخرجونه من المجلس ، وإن اقتضى السجن سجن ، وقد رأينا سابقا كيف أمر بحبس ابن مهدي وكان يصلي خلفه ، ومن سياق القصة يتبين لنا أن الحرس كان معه حتى
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 386
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٨٦
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد ج 2 ص 299 .