بنفس تلك الدوافع إلى مالك لأن من قام بأمر الإمامة بعد الصادق هو وصيّه الإمام موسى بن جعفر . رجل الصلاح والدين والعبد الصالح كما وصفه الناس وهم ملتفّون حوله ولقّبوه بالعالم . فلاحت للمنصور فكرة إخضاع العلم الديني للحكم ، وربطه بالدولة بتوحيد الأحكام واستعمال القوة ، فروى أبو مصعب أن أبا جعفر المنصور قال لمالك : ضع للناس كتابا أحملهم عليه . فكلمه مالك في ذلك . فقال : ضعه ، فما أحد اليوم أعلم منك . فوضع الموطأ « 1 » . ولم يغب عن مالك مغزى ذلك ، فأجابه : يا أمير المؤمنين لا تفعل . أما هذا الصقع فقد كفيتكه ، وأما الشام ففيه الرجل الذي علّمته - يعني الأوزاعي - وأما أهل العراق فهم أهل العراق . فكان المنصور يشدّ أزر الأوزاعي ويراسله . واخبر المنصور مالك أن من لا يرضى سيضرب عليه بالسيف ويقطع عليه ظهورهم بالسياط « 2 » وفي رواية : كتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به ، فمن خالف ضربت عنقه « 3 » . وكان عند الرشيد محل إجلال وتقدير ، وله علاقة مع الرشيد قوية وحميمة ، وكان لا يتردّد في الشكوى إلى الرشيد مما يهمه ، فكان يشكو إليه ما عليه من دين ، ويطلب المساعدة في زواج ابنه محمد « 4 » .
موطأ مالك
: يتضح أن موطأ مالك كان الكتاب الذي طلبه العباسيون ، وقد وضع المنصور بنفسه خطة الكتاب ، فبعث إلى مالك حين قدم ، فقال له : إن الناس قد اختلفوا بالعراق ، فضع للناس كتابا تجمعهم عليه . فوضع الموطأ « 5 » والظاهر أن بعض كتّاب المناقب من المالكية حاولوا التمويه على اشتراط المنصور أو خطته الكتاب الذي يريده