وخلاصة القول ، أن الحديث الصحيح الذي منع المنصور مالكا من روايته كان مصداقا للتحلل من بيعة المنصور . وإنما كان مالك يرويه لكونه حديثا وليس لغرض يخدم حركة العلويين ، فلما قامت الثورة ، قال مالك بما كان يرويه . وتظاهره بذلك لا يخلو من كراهيته لما فعل العباسيون بالأمويين . ومن ثم كان انصرافه إلى بيته بانتظار ما سيسفر عنه الأمر . ولو صح هذا التأييد فما هو عذره في السكوت عن جرائم أبي جعفر المنصور في بني الحسن ، ودفنهم وهم أحياء ، وقتل النفس الزكية ؟ ! والمنصور هو هو من شدّة عدائه وحقده على من يناوئ حكمه ويمالىء أعداءه ، ولو كان هناك ما يشم من مالك غير نشاطه اليومي في الرواية التي خشي أثرها المنصور ، لما كان هذا الاعتذار منه لمالك ، وبهذا الشكل الذي يصفه لنا مالك بلسانه : ( لما دخلت على أبي جعفر ، وقد عهد إليّ أن آتيه في الموسم . قال لي : واللّه الذي لا إله إلا هو ما أمرت بالذي كان ، ولا علمته ، إنه لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم ، وإني أخالك أمانا لهم من عذاب ، ولقد رفع اللّه بك عنهم سطوة عظيمة ، فإنهم أسرع الناس إلى الفتن ، وقد أمرت بعد واللّه أن يؤتى به من المدينة إلى العراق على قتب ، وأمرت بضيق محبسه ، والاستبلاغ في امتهانه ، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك ) .
ولا نكتشف أي إشارة للاتهام أو الاعتذار في سبب معين ، وقول مالك أو روايته يأتي مبينا لرأي المنصور في مالك ، لا يشوبه غضب متجبر أو ظالم كالمنصور ، بل هو يشعر مالك بأن لوجوده بين أهل المدينة أثرا في التخفيف من نقمته ، أولئك الذين يصفهم المنصور بأنهم أسرع إلى الفتن . والأمر بمقتضى الرواية المالكية لا يعدو رواية الحديث والتظاهر ، وقد يكون من مالك بفتحة ضيقة من وراء بابه ، يرفع بها صوته ، مردّدا ما منعه المنصور من روايته في تلك الظروف ، وبعدها إحكام رتاج الباب حتى انتهاء الأحداث .
ولو كانت هذه الحادثة لعلوية أنزلها اللّه في قلب مالك ، لكان مصيره بلا شك كمصير الآخرين من الفقهاء والرجال الذين سلط المنصور عليهم نقمته لانحيازهم إلى محمد النفس الزكية ، وكابن هرمز الذي اختلف إليه مالك ثلاثين سنة للتفقه - كما مر بنا - وعبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وعبد الرحمن بن أبي الموالي الذي ضربه المنصور أربعين سوطا لكي يدله على محمد فلم يدله ، وعبد اللّه بن عمر بن حفص
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 380
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٨٠