وفي عثمان . كما أن من لواحق قول مالك المعروفة - والتي تنم عن الأموية الواضحة - وجعله الإمام علي كسائر الصحابة الآخرين هو قول مالك : وليس من طلب الأمر كمن لم يطلبه . ومحمد النفس الزكية تتناوله ولا شك هذه القاعدة ، فكل الوجوه في سيرة مالك تنفي الميل العلوي ، وإنما نمو ميل عباسي ليس على بقايا الميل الأموي ولكن إلى جانبه ( لأن رأي مالك في الإمام علي متفق مع الولاة والخلفاء ) « 1 » . ومما يلاحظ أن مالكا لم يسطع نجمه إلا بعد أن احتصنته الدولة وذلك في سنة 149 ه أي بعد وفاة الإمام الصادق عليه السّلام بسنة . فقد كانت الشهرة التي تلف مدرسة الإمام الصادق هي معارضة الدولة ، وتطبيق منهج إصلاحي يبصّر الأمة ، ويحملها على الالتزام والتمسّك بأحكام الدين ، ولم يؤثر موقف الحكام العباسيين على انتشار مذهب أهل البيت ، فقد كانت مدرسة الإمام الصادق من أبرز الحركات الفكرية ، ومن أشهر معالم النهضة العلمية . وكانت الدولة العباسية في طفولتها تعارض حركة انتشار المذهب - من وراء الستار - إذ ليس في إمكانها التظاهر بالمعارضة ، لأنهم كانوا بحاجة ملحّة لاستمالة أعيان أهل البيت ، للتأثير في نفوس الناس الذين يدينون لهم بالولاء ، ويتفجّعون لما أصابهم من ويلات وما لحقهم من مصائب ، وليس للعباسيين نفوذ يستطيعون به حماية الدولة ، فكان لا بد من الاستعانة بزعماء الشيعة لتثبيت أركانها وحمايتها . ولم يكن هناك شهرة لأحد سوى الإمام الصادق ، وقد رأينا كيف كان الإمام الصادق يمثّل خطرا أتعب المنصور أمره ، فحاول مرات أن يقتل الإمام ، وقد كلأه اللّه بعنايته ونجّاه من شرّه . ويذكر أن المنصور وصف الإمام الصادق بالشجى المعترض حلقه . أما مالك بن أنس ، فقد كان في حياة الإمام الصادق كأحد رجال المدينة ، قادته شهرة مدرسة الإمام الصادق إلى ما بين يدي الإمام ، فكان أحد طلابها ، ولم ينتشر ذكره إلا بعد سنة 148 ه وهي سنة وفاة الإمام الصادق . ولا يخفى أن غرض المنصور من وراء إظهار مكانة مالك وإبرازه ، هو منزلة الإمام جعفر بن محمد الصادق . فقد علمنا محاولته في استعمال فقه أبي حنيفة ومكانته للتأثير على منزلة الإمام الصادق ، ومرّ بنا أمر هذه المحاولة . ويتّجه المنصور
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 382
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٨٢
هامش
( 1 ) مالك لأبي زهرة ص 72 .