الطالبيين كان سببا في ذلك لرأي مالك في التفضيل . فهناك قول أن السبب هو مجاهرة مالك بمخالفة ابن عباس في جواز نكاح المتعة ، فقيل له في قول ابن عباس فيها ، فقال : كلام غيره فيها أوفق لكتاب اللّه . وأصرّ على القول بتحريمها ، فطيف به على ثور مشوّها ، فكان يرفع القذر عن وجهه ويقول : يا أهل بغداد أنا مالك بن أنس فعل بي ما ترون لأقول بجواز المتعة « 1 » . وهذا بعيد عن الواقع ، لأن الحادثة وقعت في المدينة ، وإذا سلّمنا صحة هذا السبب ، فهل أصرّ مالك على رأيه فيما بعد ؟ ووافقته الدولة وتخلّت عن رأيها وقرّبته ؟ أم أنه وافق رأيها وتنازل عن إصراره ، وترك ما وافق كتاب اللّه لما وافق رأيهم ؟ ولا يبعد أن يكون وراء وضع هذه الصور المتعددة أنصار مالك لغرض اشتهاره وتوسيع دائرة ذكره . ومهما يكن ، فإن سبب الحادثة الأقرب ، هو التظاهر بتأييد ثورة محمد النفس الزكية . والرواية كما في الطبري وابن الأثير : أن مالك بن أنس استفتي في الخروج مع محمد وقيل له : إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر . فقال : إنما بايعتم مكرهين وليس على كل مكره يمين . فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته « 2 » . أما ابن عبد البرّ فيروي - من بين ما يروي - أن أبا جعفر نهى مالكا عن الحديث ( ليس على مستكره طلاق ) ثم دس إليه من يسأله عنه ، فحدّث به على رؤوس الناس ، فضربه بالسياط « 3 » . والفرق بين الروايتين كبير ، فإذا اعتبرنا الثانية ، فإن رواية مالك للحديث تأتي من اختصاصه في حفظ الحديث والرواية ، وتشدّده في رواية الحديث الذي يرتئيه ويصحّحه . فهو يجمع لموطئه ، وعامل موهبته هو الحفظ . ويأتي نهي المنصور في ظروف بحثه عن محمد النفس الزكية واستعداد العلويين للثورة . أما الرواية الأولى فليس دور مالك في الثورة بهذا الشكل ، فقد علمنا ظروف الثورة والحركة العلوية التي يناهضها مالك ، ومن المبالغة بمكان أن يكون رأي مالك هو سبب إسراع الناس ، وذلك ما ينفرد به الطبري ومن ورائه ابن الأثير .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 379
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٧٩
هامش
( 1 ) شذرات الذهب ج 1 ص 290 .
( 2 ) الطبري ج 9 ص 206 . وابن الأثير ج 5 ص 251 .
( 3 ) الانتقاء ص 43 و 44 .