خرجوا إلى الجهاد في سبيل اللّه ابتغاء مرضاة اللّه ، فجندوا الأجناد ، واجتمع إليهم الناس ، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب اللّه وسنّة نبيّه . وأن أصحاب رسول اللّه قد اختلفوا بعده في الفتيا في أشياء كثيرة ، ويقول له : ( ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها لكتبت بها إليك . ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف ، ثم اختلف الذين كانوا من بعدهم ، فحضرتهم بالمدينة ، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وكان من خلاف ربيعة لبعض من قد مضى ما قد عرفت وحضرت وسمعت قولك ) مشيرا إلى تلمذته عليهما وحضوره عندهما . وسأل علي بن المديني يحيى بن سعيد : أيما أحب إليك ، رأي مالك أو رأي سفيان ؟ قال : رأي سفيان ، لا يشك في هذا . وقال : سفيان فوق مالك في كل شيء . ودخل عليه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة - وهو حدث - فقال : ما تقول في جنب لا يجد الماء إلا في المسجد ؟ فقال مالك : لا يدخل الجنب المسجد . قال : فكيف يصنع وقد حضرت الصلاة وهو يرى الماء ؟ قال : فجعل مالك يكرر : لا يدخل الجنب المسجد . فلما أكثر عليه قال له مالك : فما تقول أنت في هذا ؟ قال : يتيمم ويدخل فيأخذ الماء من المسجد ويخرج فيغتسل . قال : من أين أنت ؟ قال : من أهل هذه - وأشار إلى الأرض - فقال : ما من أهل المدينة أحد لا أعرفه . فقال : ما أكثر من لا تعرف ؟ ثم نهض . قالوا لمالك : هذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة . فقال : محمد بن الحسن ، كيف يكذب وقد ذكر أنه من أهل المدينة ؟ قالوا : إنما قال من أهل هذه ، وأشار إلى الأرض . قال : هذا أشدّ عليّ من ذلك « 1 » . وإذا عدنا إلى الحديث واعتمدنا رأي أحمد بن حنبل بعد أن اطلعنا على وصفه
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 375
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٧٥
الوراثة التي لا يجوز انتحالها ولا ادعاؤها ، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون : هذا العمل ببلدنا ، وهذا الذي مضى عليه من مضى لم يكونوا فيه من ذلك على ثقة ، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم .
وكان من ردّ الليث على مالك : إن كثيرا من أولئك السابقين الذين عناهم بقول اللّه تعالى :
والسَّابِقُون الْأَوَّلُون مِن الْمُهاجِرِين والْأَنْصارِ
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد ج 2 ص 174 و 175 .