أما تأثر مالك بالإمام الصادق فإن مجالاته واسعة ، ولقد استمر المالكية على تعضيد مذهبهم بعد وفاة إمامهم ، معتمدين على حضور مالك عند الإمام الصادق والاستماع إلى حديثه ، وتلقّي تعاليمه في مدرسته ، فسمحوا لأنفسهم أن يتخيلوا أمورا لتكون لهم شهادة تؤيد المذهب ، فادّعوا أن الإمام الصادق أوصى إلى مالك عند وفاته ، ورووا عنه أنه دخل عليه قوم من أهل الكوفة في مرضه الذي توفي فيه ، فسألوه أن ينصّب لهم رجلا يرجعون إليه في أمر دينهم ، فقال : عليكم بقول أهل المدينة ، فإنها تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ، عليكم بآثار من مضى ، فإني أعلمكم أني متبع غير مبتدع ، عليكم بفقه أهل الحجاز ، عليكم بالميمون المعين المبارك في الإسلام ، المتبع آثار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقد امتحنته فوجدته فقيها فاضلا متبعا مريدا لا يميل به الهوى ، ولا تزدريه الحاجة ، ولا يروي إلا عن أهل الفضل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإن اتبعتموه أخذتم بحظكم من الإسلام ، وإن خالفتموه ضللتم وهلكتم ، ألستم تقولون إني هيئ من العلم غير محتاج إلى أحد من الخلق ؟ فإنه قد أخذ عني كل ما يحتاج إليه ، فلا يميل بكم الهوى فتهلكوا ، إني أحذركم عذاب اللّه يوم القيامة ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم ، أحذركم ، فقد أرشدتكم إلى رجل نصّبته لكم ، فإنه أمين ، مولود في زمانه ، قالوا : من هو بيّنه لنا ؟ قال : ذلك مالك بن أنس ، عليكم بقول مالك . ثم رفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إني بريء من ظنّهم وتخرّصهم ومن رواة السوء منهم ، اللهم إنك تعلم أنه قد قيل عن عيسى بن مريم ما لم يقل ، وروي عن مالك ما لم يكن ، وقيل عن عزيز ما لم يقل ، وروي عنه ما لم يكن ، وقيل عن علي بن أبي طالب ما لم يقل ، وروي عنه ما لم يكن ، فمن روى عنّي ما لم نقل ، فعليه لعنة اللّه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين « 1 » . والرواية صريحة الوضع ، نقلناها كاملة للتدليل على مسلك النزاع والخصام في استحلال الوضع ، والتماس الظفر بالإقرار بالوقائع العلمية للبناء عليها في مورد ، وإنكارها وتجاهلها في مواضعها الأصلية ، لأنها في سياقها حجة لغيرهم . وصفوة القول ، فإن أصحاب الحديث أرادوا أن يثقلوا موازينهم بهذه المبتدعات ، حتى اضطرهم الأمر إلى الوضع لادناء مالك من منزلة الإمام الصادق ، ووضعه في التأهل
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 373
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٧٣
هامش
( 1 ) المناقب للزواوي ص 10 .