كره ما يقول فيه قوم أنه إذا رأى الرجل عرفه ، ثم التفت إلي فقال : يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد اللّه من مسائلك . فجعلت ألقي عليه ، فيجيبني فيقول : « أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا » فربما تابعنا ، وربما تابعهم ، وربما خالفنا جميعا ، حتى أتيت على الأربعين مسألة ، ما أخل منها بمسألة . ثم قال أبو حنيفة : ألسنا روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس . . . أه « 1 » . ومما علم من منهج الإمام الصادق ومنطق قوله ، فإن تفسير الكتاب عنده ليس بالأخذ من الغير ، والحديث هو بإسناد آبائه الطيبين . فمن المؤكد هنا أن المسائل التي كانت عدة السلطان أبي جعفر وسلاحه في مواجهة الإمام الصادق كان يعرضها الإمام الصادق على مصادره وأصوله ويناقشها ، فما وافق منها حسبه أبو حنيفة متابعة ، وليس الأمر كذلك . لأن الإمام الصادق في علمه لا يتّبع إلّا القرآن وسنّة النبي والأئمة من أهل بيته ، أما المخالفة فأمرها معروف . وكما رأينا فإن مالكا كان من طلاب مدرسة الإمام الصادق ومن تلاميذه ، قال مالك عن صلته بالإمام الصادق : ( جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانا ، فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال : إما مصل ، وأما صائم ، وإما يقرأ القرآن ) « 2 » . وقوله : ( ما رأت عين ، ولا سمعت أذن ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا ) « 3 » وقال مالك : ( لقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة « 4 » والتبسّم ، فإذا ذكر عنده النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اصفرّ ، وما رأيته يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا على طهارة ، ولقد اختلفت إليه زمانا ، فما كنت
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 371
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٧١
هامش
( 1 ) المناقب للموفق المكي ج 1 ص 173 . وسير أعلام النبلاء ج 6 ص 256 .
( 2 ) تهذيب التهذيب ج 2 ص 104 .
( 3 ) المجالس السنية للعاملي ج 5 . والتوسل والوسيلة لابن تيمية ص 52 .
( 4 ) تروى عند بعض المالكية « كثير المزاح » ولا نستغرب الوصف بالمزاح أو الدعابة ، لأن عمر بن الخطاب وصف بها الإمام علي ، وكان قوله موضع نظر ورد ، إلا أن يبتدع بها اصطلاحا ويحدث بها مسمى جديد فيكون معناها التقوى وشدة الالتزام بالدين ، أو حسن الخلق والمعاشرة ، فإن كان القصد ظاهر معناها ، فهي من الفلتات ، ولا يحمل عليهما إلا قصد الإساءة والنيل ، ودون ذلك عصمة اللّه ورعايته من دين راسخ وعلم وافر ومنزلة سامية وخصائص عالية هي الغاية في الكمال والنهاية في الرفعة .