تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠

أما في المدينة ، فكان مالك بمنزلته يوجه الناس ضد أهل العراق ، وكان يقول لرجل من أهل الكوفة : لم يأخذ أوّلونا عن أوّليكم ، فكذلك لا يأخذ آخرونا عن آخريكم . ووصفها مالك بدار الضرب ، فقال : هي دار الضرب ، يضربون بالليل ما ينفقون . وكان ينسب إلى ربيعة القول : ما رأيت عراقيا تام العقل . ونسب إلى أحد علماء المدينة قوله : كأن النبي الذي بعث إلينا غير النبي الذي بعث إليهم . وكان يقال بالمدينة : اتركوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب ، فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم « 1 » . وفي وسط هذه المنازعات والخصومات التي استباحت الكثير من عصم الإيمان وروابط العقيدة ، كانت مدرسة الإمام الصادق تفيض بإشراقها من علم أهل بيت النبوة ، وتغني بإلهامها عقول العلماء ، فكان الإمام الصادق محيطا بموارد النزاع وعارفا بوجوه الخلاف بصورها على المسائل والآراء ، وصبغتها التي مضت عليها في المجالس والحلقات . ويجري علمه في أوساط الأمة بأصوله من الكتاب وأدلته من السنّة ، بشمول لا يتهيأ لبشر ، ودراية يعجز عنها غيره ، فكان أفقه الناس وأعلم أهل زمانه . وكان أبو جعفر المنصور أول ما أراد أن يجعل أبا حنيفة وسيلته في التأثير على مكانة الإمام الصادق في النفوس والنيل من منزلته العلمية ، وذلك قبل أن يتحول إلى الإمام مالك . قال الحسن بن زياد اللؤلؤي : سمعت أبا حنيفة - وسئل من أفقه من رأيت - ؟ قال : ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد الصادق ، لمّا أقدمه المنصور بعث إلي فقال : يا أبا حنيفة إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد ، فهيّئ له من المسائل الشداد ، فهيأت له أربعين مسألة . ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة ، فأتيته ، فدخلت عليه ، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه ، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلّمت عليه ، وأومأ إلي فجلست ، ثم التفت إليه فقال : يا أبا عبد اللّه هذا أبو حنيفة . فقال : « نعم » ثم اتبعها : قد أتانا ، كأنه

هامش
( 1 ) مناقب الزواوي ص 55 - 56 - 57 .