كيف استوى ؟ فقال : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة . وأظنك صاحب بدعة . وأمر به ، فأخرج . والجواب بلا أدري أهون بكثير حتى وإن بات قاعدة يورثها مجلسه ، فلا عيب في ذلك ، لأن السائل يتحرى عند غيره الإجابة ، وهو المعروف عن مالك أيضا ، فعن الهيثم بن جميل قال : شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة ، فقال في اثنين وثلاثين منها : لا أدري . وغالبا ما يلجأ إلى ( لا أدري ) فعن ابن وهب أنه قال : لو شئت أن أملأ ألواحا من قول مالك ( لا أدري ) فعلت « 1 » ومن علماء المالكية من يتعجب من قول لا أدري « 2 » . إن عصر مالك كان من أكثر العصور ازدهارا ، وقد أصبحت المدينة موطنا للعلم وموئلا لطلابه من مختلف الأقطار الإسلامية ، وامتازت بالتمسّك بالحديث في مقابلة العراقيين وامتيازهم بالرأي والقياس ، وعظم العداء بين البلدين ، وأدى إلى اتهامات وخصومات ابتعدت كثيرا عن العلم . كان أبو سعيد الرأي يماري أهل الكوفة ، ويفضّل أهل المدينة ، فجاءه رجل من أهل الكوفة واسمه شرشيرا وقالوا كلب في جهنم يسمى شرشيرا فقال :
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 369
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٦٩
يروي حفص بن عبد اللّه قال : كنّا عند مالك ، فجاء رجل ، فقال : يا أبا عبد اللّه
الرَّحْمن عَلَى الْعَرْش اسْتَوى
عندي مسائل لا شرشير يعرفها * إن سيل عنها ولا أصحاب شرشير
وليس يعلم هذا الدين يعلمه * إلا حنيفية كوفية الزور
لا تسألن مدينيا فتكفره * إلا عن البم والمثنى والزير
فكتب أبو سعيد إلى أهل المدينة : إنكم قد هجيتم ، فردّوا . فردّ عليه رجل من أهل المدينة يقول :
لقد عجبت لغا وساقه قدر * وكل أمر إذا ما جم مقدور
قالوا المدينة أرض لا يكون بها * إلا الغناء وإلّا البم والزير
لقد كذبت لعمر اللّه إن بنا * قبر النبي وخير الناس مقبور
« 3 »
هامش
( 1 ) المناقب للسيوطي ص 12 وص 16 . وحلية الأولياء ج 6 ص 323 .
( 2 ) انظر المجلد الأول / الجزء الثاني من هذا الكتاب .
( 3 ) العقد الفريد ج 3 ص 408 .