تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
أيديهم ، ثم علقتها في أستار الكعبة ، ثم أقمتهم على المصطبة ، ثم أمرت مناديا ينادي : ألا إن هؤلاء سرّاق اللّه فاعرفوهم » . ثم تأتي مرحلة الدعوة في عهد الإمام الصادق بعد أن تولى الإمامة وتبوء مكان الزعامة بعد مرافقة للإمامة في أحداثها ، وإعداد لدوره وعهده في ظلالها . وقد مرّ بنا في أجزاء الكتاب السابقة فصول من حياته عليه السّلام ، وعلمنا اتجاهه إلى حفظ شريعة الإسلام ودعوته إلى التمسّك بأحكام الدين . وقد تلقى الإمام الصادق انتقال الإمامة إليه وهو يمتلك تجربة غنية ودراية تامة بطبيعة الأحداث وتصاريف الأيام ، فظهرت حكمته وبدت حنكته ، وقد كانت أيام حياته من أشدّ الأيام صعوبة وهو يتحمل أعباء الدعوة ويقوم بواجبات الإمامة ، كان فيها التحوّل السياسي من جهة إلى جهة ، وكان فيها النمو الفكري واتساع الخلاف ، وعلو موجات الآراء المقالات ، وكان فيها إيغال الحكام الجدد بدماء آل البيت واضطراب أنحاء البلاد الإسلامية . إلى غيرها من الظروف ، وما انطوت عليه من محن ومآزق ومعتركات . روى الشيخ المفيد بسنده عن أبي الصباح الكناني قال : نظر أبو جعفر عليه السّلام إلى ابنه أبي عبد اللّه عليه السّلام فقال : « ترى هذا ، هذا من الذين قال اللّه عز وجل :
ونُرِيدُ أَن نَمُن عَلَى الَّذِين اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْض ونَجْعَلَهُم أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُم الْوارِثِين

» . والإمام الصادق هو السادس من الذين يخلفون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على أمور شريعته وحفظ رسالته ، والذين أخبر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنهم بطرق أهل السنّة أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين . ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى اللّه عز وجل ، فانظروا من توفدون » « 1 » . وإلى جانب النص على إمامته والوصية ، فقد كان الإمام الصادق أعلم أهل زمانه وأجلّهم قدرا وأعلاهم منزلة ، فاختص بالقيام بالنظر في مصالح المسلمين الدينية ، وقد رأينا أنه عاش في صميم الأحداث والوقائع التي مرّت بأهل البيت عليهم السّلام ووعى وجوهها وطابعها الذي كانت عليه . فأحاط بالأخبار وتزوّد بالآثار ، فكان كل قول منه عن علم مسبق ، وكل أمر سار عليه يعلم ما يقضي إليه كأن العواقب ترتسم في مرآة أمامه .

هامش
( 1 ) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 90 .