وخلاصة القول : إن علم الإمام الباقر وعظيم منزلته الدينية جعلا منه قائدا روحيا اتجهت إليه الأنظار ومالت إليه القلوب ، فاحتل منها ذلك المكان السامي والمنزلة الرفيعة . وقد احتفظ لنا التاريخ بكثير من تراثه الفكري ، فقد كان يفيض على سامعيه من الخواطر والحكم متوجها بالنصح والإرشاد لمجتمعه .
وقد كان عليه السّلام يؤدب أصحابه بآداب الإسلام ويحثّهم على الطاعة ومكارم الأخلاق . فمن وصيته لجابر الجعفي : « واعلم أنك لا تكون لنا وليا حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا : إنك رجل سوء . لم يحزنك ذلك . ولو قالوا أنك رجل صالح . لم يسرّك ذلك . ولكن أعرض نفسك على كتاب اللّه ، فإن كنت سالكا سبيله زاهدا في تزهيده راغبا في ترغيبه خائفا من تخويفه فاثبت وأبشر . فإنه لا يضرك ما قيل فيك » وقد مرّ ذكرها في الجزء الثاني .
وينبه عليه السّلام اتباعه إلى جوهر التشيع ومعدن الولاء لأهل البيت كما في رواية جابر عن أبي عبيدة الحذّاء قال عليه السّلام : « تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا . لعلك ترى أن القوم لم يكونوا ينامون ؟ » قال : قلت : اللّه ورسوله وابن رسوله أعلم . قال : فقال : « لا بد لهذا البدن من أن تريحه حتى يخرج نفسه ، فإذا خرج النفس استراح البدن ورجع الروح فيه قوة على العمل ، فإنما ذكرهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا أنزلت في أمير المؤمنين عليه السّلام وأتباعه من شيعتنا ، ينامون في أول الليل ، فإذا ذهب ثلثا الليل أو ما شاء اللّه ، فزعوا إلى ربهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده ، فذكرهم اللّه في كتابه ، فأخبرك اللّه بما أعطاهم أن أسكنهم في جواره ، وأدخلهم في جنته ، وآمن خوفهم ، وأذهب رعبهم » قال قلت : جعلت فداك ، إن أنا قمت في آخر الليل أي شيء أقول إذا قمت ؟ قال :
« قل الحمد للّه رب العالمين ، والحمد للّه الذي يحيي الموتى ويبعث من في القبور .
فإنك إذا قلتها ذهب عنك رجز الشيطان ووسواسه إن شاء اللّه » .
ويتحسّس ظروف الإرهاب الأموي وأصناف البلاء وألوان الرعب التي خيّمت على قلوب محبي أهل البيت بعد سياسة معاوية ويزيد وبقية الأمويين فيقول : « إن اللّه يلقي في قلوب شيعتنا الرعب . فإذا قام قائمنا وظهر مهديّنا كان الرجل منهم أجرأ من ليث وأمضى من سيف » . وذلك ليجعل أمر الحكام الظلمة غير دائم ، وأن الإمامة نظامها سماوي مبشّر به من النبي الأعظم ويقول : الإيمان ثابت في القلب ، واليقين
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 329
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٢٩