ولما بدرت من الحكّام الأمويين بادرة على يد عمر بن عبد العزيز ، تغيّرت العلاقة بين السلطة وبين الأئمة . فنرى عمر بن عبد العزيز يطلب من الإمام الباقر أن يوصيه بما ينفعه في آخرته ودنياه ، فقال له عليه السّلام : « أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدا ، وأوسطهم أخا ، وأكبرهم أبا . فارحم ولدك ، وصل أخاك ، وبرّ والدك . وإذا صنعت معروفا فربّه » ( أي أدمه ) .
ودخل عمر بن عبد العزيز المدينة واجتمع بالإمام الباقر عليه السّلام فأوصاه الإمام بقوله :
« إنما الدنيا سوق من الأسواق ، يبتاع فيها الناس ما ينفعهم وما يضرّهم ، وكم قوم ابتاعوا ما ضرّهم فلم يصبحوا حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا ملومين ، ولما لم يأخذوا ما ينفعهم في الآخرة . فقسّم ما جمعوا لمن لم يحمدهم ، وصاروا إلى من لم يعذرهم . فنحن واللّه حقيقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوف عليهم منها ، واتق في نفسك اثنتين : إلى ما تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدّمه بين يديك . وانظر إلى ما تكره أن يكون معك إذ قدمت على ربك فارمه وراءك . ولا ترغبن في سلعة بارت على من كان قبلك فترجو أن يجوز عنك . وافتح الأبواب وسهّل الحجاب وأنصف المظلوم وردّ المظالم . ثلاثة من كن فيه استكمل الإيمان باللّه : من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق ، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له » .
ولقد كانت فترة عمر بن عبد العزيز يقظة وعي بما ألم بالأمة من جور الأمويين وما لحق بالمسلمين بفعل ظلمهم ، حاول فيها أن يضفي على سلطان بني أبيه شيئا من أبراد التقى وأثواب الدين ، ولكن هيهات له ذلك ، لأن أساس الملك قائم على الظلم ، وتاريخ بني أمية بعمومه تاريخ شذوذ وانحراف ، ولكن الأيام حفظت لعمر بن عبد العزيز ما رفع من سنّتهم السيئة ، وما بدر منه من عدل .
أما الإمام الباقر عليه السّلام فقد أفاض على ابن عبد العزيز من إشراق الإمامة ومعين الخلافة الكبرى ، فأعطاه تلك الصورة الرائعة عن الحكم وسياسة الرعية ، والإمام أدرى بأن عمر لا يحقق ما يوصيه به لأسباب كثيرة .
والإمام الباقر في إمامته ومنزلته بين شيعته ، يعمل بمنهج الدعوة في التفريق بين
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 327
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٢٧