وكان عصره يشهد بداية نشاط الآراء والأقوال التي تعددت مصادرها وتباينت أغراضها ، وأهل البيت في صميم هذا النشاط موضع اهتمام القائمين به والساعين إليه ، لأنهم يريدون أن يكون للدين في آرائهم ممسك ولأقوالهم مرجع ، أو لأنهم من أهل الفرق والبدع الذين يرمون إلى التشكيك والطعن ، فقصده العلماء للسؤال وكشف الحقائق كعمرو بن عبيد ، والحسن البصري ونافع مولى ابن عمر « 1 » وغيرهم ممن يطول ذكرهم . ولكن نورد هنا ما كان من عمرو بن عبيد - شيخ المعتزلة - عندما وفد على الإمام الباقر عليه السّلام ليسأله لا لغرض طلب العلم ، وإنما بوهم أن يفاجئ الإمام الباقر بما يعجز عن الإجابة عنه ، فقال له عمرو : جعلت فداك ما معنى قوله تعالى :
ما غضب اللّه ؟ فقال له أبو جعفر عليه السّلام : « غضب اللّه تعالى عقابه . يا عمرو ، ومن ظن أن اللّه يغيره شيء فقد هلك » . ودخل عليه أعرابي ، وقيل رجل من الخوارج - ولا فرق فهم من أشدّ الأعراب بعدا عن الدين - وقال له : هل رأيت اللّه حين عبدته ؟ فقال : « لم أكن لأعبد من لم أره » . قال : فكيف رأيته ؟ قال : « لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ورأته القلوب بحقائق الإيمان ، لا يدرك بالحواس ، ولا يشبّه بالناس ، معروف بالآيات ، منعوت بالعلامات ، لا يجوز في القضيات . ذلك اللّه الذي لا إله إلا هو » فقال الأعرابي : اللّه أعلم حيث يجعل رسالته « 2 » . ومما يحسب الآن من أعمال مجيدة في مجال الملك وتعريف مظاهر السلطان وسك العملة ، فهو في حقيقته يعود لإمامنا الباقر عليه السّلام . فعبد الملك بن مروان تعاطى العلم ، وانخرط في سلك الفقه والرواية ، حتى جاءته فرصة التحكّم والتسلّط ، فتخلّى عن الحديث وما يقتضيه تعاطي العلم من سمات دينية ، وتحوّل إلى الدم