قال لجابر الجعفي : « يا جابر إني لمحزون ، وإني لمشتغل القلب » قلت : وما حزنك وما شغل قلبك ؟ قال : « يا جابر ، إنه من دخل قلبه صافي خالص دين اللّه ، شغله عما سواه . يا جابر ما الدنيا ، ما عسى أن تكون ؟ هل هو إلا مركب ركبته ، أو ثوب لبسته ، أو امرأة أصبتها . يا جابر ، إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها ، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم ، ولم يصمّهم عن ذكر اللّه ما سمعوا بآذانهم من الفتنة ، ولم يعمهم عن نور اللّه ما رأوا بأعينهم من الزينة ، ففازوا بثواب الأبرار . إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة ، وأكثرهم لك معونة ، إن نسيت ذكّروك ، وإن ذكرت أعانوك . قوّالين بحق اللّه ، قوّامين بأمر اللّه . فانزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت عنه ، أو كمال أصبته في منامك ، فاستيقظت وليس معك منه شيء ، واحفظ اللّه في ما استرعاك من دينه وحكمته » « 1 » . ويتتبع عليه السّلام أمراض المجتمع ، ويعمل على إصلاح العلاقات ، وإقامة مودة بين النفوس . سمع رجلا يغتاب آخر فقال عليه السّلام : « إن لكل شيء إداما ، وإدام كلاب النار الغيبة » . وقال عليه السّلام : « نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودة والمحبة عبادة » . وقال أيضا : « من كمال العقل كف الأذى ، فإن فيه راحة للبدن آجلا وعاجلا » . ويحذّر عليه السّلام من العداوة : فيقول : « لا تعادين أحدا وإن ظننت أنه لا يضرّك » . إن الإمام زين العابدين باشر مرحلة الدعوة بعد مرحلة الثورة ، وهو على هدى من رسالته وبيّنة من أمره . ومن يتوهم أن الأمر عدول عن الثورة وترك للجهاد ، فليس له علم بأسرار الإمامة ومكاشفات الولاية ، كالذي كان من عبّاد البصري عندما لقي الإمام زين العابدين في طريق مكة فقال له : يا علي بن الحسين ، تركت الجهاد وصعوبته ، وأقبلت على الحج ولينه ، وإن اللّه عز وجل يقول :
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 321
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٢١
إِن اللَّه اشْتَرى مِن الْمُؤْمِنِين أَنْفُسَهُم وأَمْوالَهُم بِأَن لَهُم الْجَنَّةَ يُقاتِلُون فِي سَبِيل اللَّه فَيَقْتُلُون ويُقْتَلُون
- إلى قوله -
وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين
؟
فقال الإمام زين العابدين : « إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج » .
هامش
( 1 ) صفة الصفوة لابن الجوزي .